قصة ثأرٌ في قلبِ ذبيحة
في مرتعٍ فسيحٍ تعانقُ خضرتهُ أفقَ السماء، عاشَ قطيعٌ من الأغنامِ تحتَ إشرافِ رجلٍ قاسٍ، لم يعرفْ للرحمةِ سبيلاً، ولم يراعِ وصايا المصطفى ﷺ في الإحسانِ إلى الحيوان، ولا سيما عندَ ذبحه.
وفي أحدِ الأيام، قدمَ رجلٌ ومعهُ ابنُهُ الذي بلغَ العاشرةَ من عمره ليشتريَ ذبيحة.
*قالَ الرجلُ لصاحبِ الحظيرة:* السلامُ عليكم ورحمةُ الله... أريدُ خروفاً للعقيقة، فقد رُزقتُ بمولودٍ جديد.
*فأجابهُ صاحبُ الحظيرةِ ببرود:* وعليكم السلام. انتظروا قليلاً.
فتقدمَ صاحبُ الحظيرةِ إلى القطيع، وأمسكَ بشاةٍ سمينةٍ كانَ بجانبها خروفٌ صغير.
فدفعَ الصغيرَ بقدمهِ بقسوةٍ ليبعده، وسحبَ الأمَّ من قرنيها بالقوة، غيرَ مكترثٍ بثغائها ولا بثغاءِ ولدها.
وتمَّ البيعُ والاتفاق.
وبدأَ الرجلُ بذبحِ الشاةِ الأمِّ أمامَ ابنها الصغير.
لم يُدركِ الخروفُ الصغيرُ في بادئِ الأمرِ ما يجري.
رأى الرجلَ القاسيَ يمسكُ بأمهِ وسكيناً تبرقُ تحتَ شمسِ الظهيرة.
في البدايةِ كانَ يثغو فرحاً، يحسبُ الأمرَ لهواً، ويركضُ حولها ويضربُ الأرضَ بحوافرهِ الصغيرة.
ثم رأى عينيها.
كانتا جاحظتينِ مملوءتينِ بالفزعِ والرعب.
فارتجفَ جسدُهُ وارتعدت فرائصه. وشعرَ كأنَّ سكيناً باردةً قد غُرست في صدرهِ هو لا في عنقِها.
حاولَ الصراخَ والوثبَ والاعتراض... فجمدت قوائمُهُ في الطين.
ولم يصدرْ عنهُ إلا *ثغاءٌ مكسورٌ* طويلٌ لم يسمعْ نظيرَهُ من قبل.
فلما سالَ دمُها على الأرضِ الدافئة، ماتَ في داخلهِ شيءٌ إلى الأبد.
لم يبكِ، فالخرافُ لا تبكي.
ولكنهُ عاهدَ نفسهُ في صمتٍ أنَّ هذا الدمَ لن يضيعَ سدى، وأنَّ الحنانَ المسلوبَ سيعودُ جمراً في قلبه.
فاستقرَّ الحزنُ في فؤاده، وتحوّلَ الألمُ شيئاً فشيئاً إلى غضبٍ كامنٍ وعزمٍ راسخٍ على الأخذِ بالثأر.
*العقوبةُ الأولى: كسادُ التجارةِ وانهيارُ الحظيرة*
لم يكتفِ الخروفُ بالحزن، بل دبّرَ تمرداً هادئاً داخلَ الحظيرة. واستطاعَ بلغةٍ صامتةٍ أن يجمعَ شملَ الخرافِ ويتفقَ معها على خطةٍ محكمة:
*أولاً: الإضرابُ عن الطعام*
أجمعتِ الأغنامُ على رفضِ العلف، وأبت أن تسمنَ من خيرِ هذا الرجلِ الظالم.
*ثانياً: مقاطعةُ التناسل*
توقفت دوراتُ الحملِ والولادة، ونحلَت الأجسامُ حتى غدت هياكلَ واهنةً عليها آثارُ السقم.
فكانَ إذا قدمَ التجارُ لشراءِ الأضاحي، نفرُوا منظرِ الأغنامِ الهزيلةِ المريضة، وانصرفوا إلى غيرها.
وهكذا تدهورت تجارةُ الرجلِ، وحلَّ بهِ الكسادُ والفقرُ بعدَ أن كانَ ينعمُ بالوفرة.
*العقوبةُ الثانية: فجيعةُ القلبِ وثأرُ الدم*
ولما لم تشفِ العقوبةُ الأولى غليلَهُ، تربّصَ بالفرصةِ للضربةِ القاضية.
وفي يومٍ من الأيام، ذهبَ الرجلُ كعادتهِ لحلبِ الأبقار، غافلاً عن أنَّ الخروفَ قد عقدَ حلفاً خفياً معَ أفعى ذاتِ سمٍ زعافٍ تسكنُ شقوقَ الجدران.
فأومأَ إليها الخروفُ أن تفرغَ سمها في إناءِ الحليب.
ففعلت. وحملَ الرجلُ الإناءَ إلى دارهِ ساهياً، وسقى منهُ ابنَهُ العزيز.
فما لبثَ السمُ أن سرى في عروقِ الصبي، فخرَّ صريعاً.
فوقفَ الأبُ مذهولاً منكباً على جثمانِ ولده، يذرفُ الدموعَ بحرقةِ الفقد.
وفي تلكَ اللحظةِ وقفَ الخروفُ من بعيدٍ يرقبهُ بنظرةٍ جامدة، ليرى قاتلُ أمهِ الدموعَ تنهمرُ كما انهمرت من قبل.
عندئذٍ سكنَ قلبُ الخروف، وعلمَ أنَّ ثأرَ أمهِ قد استوفى، وأن *دمعةً بدمعة، وفجيعةً بفجيعة*.
ومضتِ الأيام، وبقيَ الخروفُ سيداً لقطيعه، يقصُّ على كلِ مولودٍ جديدٍ قصةَ أمٍ لم تذهبْ دمعتُها هدراً.
وتعلّمَ أهلُ القريةِ درساً قاسياً: أن رحمةَ اللهِ واسعة، وأنَّ من لا يرحمُ الحيوانَ لا يستحقُ رحمةَ القدر، فظلمُ الضعفاءِ لا بدَّ أن يعودَ يوماً ليقرعَ بابَ الظالمين.
*الحكمة*
إنَّ الرحمةَ لا تختصُ بالإنسانِ وحده، بل تشملُ سائرَ المخلوقات. وقد سخّرَ اللهُ لنا الأنعامَ لننتفعَ بها، ولكنهُ أوجبَ علينا الإحسانَ إليها، وخاصةً عندَ ذبحها، بإراحتها وإبعادها عن صغارها.
معلومات مصدر القصة
الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
تيليجرام
فيسبوك
يوتيوب
انستجرام
تيك توك
ماسنجر
فايبر
بينتيريست
منصة X
ثريدز
تطبيقنا
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.


عزيزي المشاهد لا تترك الموضوع بدون تعليق وتذكر ان تعليقك يدل عليك فلا تقل الا خيرا :: كلمات قليلة تساعدنا على الاستمرار في خدمتكم ادارة الموقع ... ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )