📁 مشاركات منوعه

قصة مدينة الجن حين يبتلع البحر أسرار سواكن تأليف الأستاذ محمد طه من دولة السودان

قصة مدينة الجن  حين يبتلع البحر أسرار سواكن تأليف الأستاذ محمد طه من دولة السودان

قصة مدينة الجن حين يبتلع البحر أسرار سواكن تأليف الأستاذ محمد طه من دولة السودان

قصة مدينة الجن حين يبتلع البحر أسرار سواكن تأليف الأستاذ محمد طه من دولة السودان

على حافة البحر الأحمر، حيث يضرب الموج صخور المرجان بصبرٍ يشبه صبر المدن المنسية، تقف سواكن كأنها صفحة ممزقة من كتابٍ قديم. مدينة صغيرة، لكن ظلّها أطول من تاريخها، وأعمق من خرائبها. كل من يقترب منها يشعر بأن الهواء نفسه يحمل حكاية، وأن الصمت ليس صمتاً، بل ذاكرة تتنفس.

كان أهل الساحل يقولون إن الجن مرّوا من هنا. بعضهم أقسم أنه رأى ظلالاً تتحرك بين البيوت المرجانية المهجورة، وآخرون حلفوا أنهم سمعوا وقع أقدامٍ في الأزقة التي لم يطأها بشر منذ عقود. لم يكن أحد يملك دليلاً، لكن الجميع كان يملك رواية.

في الليل، حين ينسحب الضوء من فوق الجزيرة، تتحول سواكن إلى مسرحٍ مفتوح للخيال. المباني البيضاء التي أكلها الملح تبدو كأشباحٍ متجمدة، والنوافذ السوداء كعيونٍ تراقب العابرين. حتى البحر، الذي يحيط بها من كل الجهات، يبدو وكأنه يحرس سراً لا يريد أن يبوح به.

لكن الحقيقة، كما يعرفها المؤرخون، تقول شيئاً آخر.  
سواكن كانت يوماً بوابة إفريقيا إلى الحجاز، ومرفأً يعج بالحجاج والتجار والبحارة. كانت مدينة عامرة، شاهقة، مزدهرة، حتى إن بعض الرحالة وصفوها بأنها “أجمل مدن البحر الأحمر”. غير أن الزمن، حين يقرر أن يدير ظهره لمدينة، لا يترك لها سوى الأطلال.

ومع تراجع دورها التجاري، وانسحاب الناس منها، بدأت الأساطير تتسلل إلى فراغها.  
فالمدن التي تُترك وحيدة، تخترع لنفسها حراساً من الغيب.

يقول كبار السن إن النبي سليمان مرّ بها، وإن الجن الذين سُخّروا له تركوا آثارهم في جدرانها. ويقول آخرون إن أصوات البحر التي ترتطم بالمباني هي أصوات أولئك الذين لم يغادروا الجزيرة قط. وبين الحقيقة والخيال، بقيت سواكن معلّقة في منطقة رمادية، لا يستطيع أحد أن يجزم فيها بشيء.

ومع ذلك، حين تزور الجزيرة نهاراً، ترى شيئاً مختلفاً تماماً.  
ترى مدينةً جميلة، هادئة، مكسوّة ببياض المرجان، كأنها تحاول أن تتذكر نفسها.  
ترى الأزقة الضيقة التي كانت تعج بالحياة، والمباني التي كانت تضج بالضوء، والبحر الذي كان يحمل إليها كل شيء… ثم أخذ كل شيء.

سواكن ليست مدينة جن.  
هي مدينة خذلها الزمن، فاختبأت في الأسطورة.  
مدينة أرهقها البحر، فاستعانت بالخيال لتبقى.  
مدينة ماتت ببطء، فصارت حكاية.

ومع ذلك، حين تقف على جسرها القصير المؤدي إلى الجزيرة، وتشاهد الشمس تغرق خلف مبانيها المتهالكة، ستفهم لماذا آمن الناس بأنها ليست مدينة عادية.  
فالمدن التي تشبه الحلم… لا يمكن أن تكون مجرد حجر.

قصة مدينة الجن حين يبتلع البحر أسرار سواكن تأليف الأستاذ محمد طه من دولة السودان
معلومات مصدر القصة 

الكاتب : الاستاذ محمد طه من دولة السودان

تعليقات