📁 مشاركات منوعه

قصة هَمْسٌ مِنْ وَرَاءِ حُجُبٍ الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

قصة هَمْسٌ مِنْ وَرَاءِ حُجُبٍ الكاتبة : قصة من تأليف المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

القصة بعنوان هَمْسٌ مِنْ وَرَاءِ حُجُبٍ تأليف المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

قصة هَمْسٌ مِنْ وَرَاءِ حُجُبٍ الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

قِصَّةُ الْيَوْمِ عَنْ شَخْصٍ لَهُ ظِلَّانِ:  
الْأَوَّلُ يَظْهَرُ مَعَهُ دَائِمًا عِنْدَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ، أَوْ عِنْدَمَا يَقِفُ فِي مَكَانٍ فَيَنْعَكِسُ ظِلُّهُ عَلَى الْأَرْضِ أَوِ الْجُدْرَانِ.  
وَأَمَّا الثَّانِي فَكَانَ يَظْهَرُ عِنْدَ الْكَذِبِ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ ظُهُورَ هَذَا الظِّلِّ الْآخَرِ عَلَامَةٌ عَلَى كَذِبِهِ. لِذَا كَانَ الْكَذِبُ يَسْرِي مَعَهُ كَسَرَيَانِ الدَّمِ فِي الْجَسَدِ، وَلَمْ يَكْتَشِفْ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا عِنْدَمَا حَدَثَ لَهُ مَا حَدَثَ...!!!

فِي يَوْمٍ مُمْطِرٍ شَدِيدِ الْبُرُودَةِ، لَمْ يَتَوَقَّعْ ظُهُورَ خَيَالٍ لِأَيْ إِنْسَانٍ، كَانَ سَلِيمٌ يَتَحَدَّثُ إِلَى أَصْدِقَائِهِ عَنْ مَغَامَرَاتِهِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي أَبْهَرَتْ مَنْ سَمِعَهَا، وَعَنِ الْبِحَارِ السَّبْعَةِ الَّتِي عَبَرَهَا لِيَصِلَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ.  
وَبَيْنَمَا هُوَ يَسْرُدُ كَيْفَ أَنَّ جِنِّيَّةً جَمِيلَةً سَاعَدَتْهُ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهَا مِنْ فَمِ حُوتٍ ضَخْمٍ، وَكَيْفَ رَدَّتْ لَهُ الْجَمِيلَ بِمَنْحِهِ سَبْعَ قُشُورٍ مُلَوَّنَةٍ، لَوْ جَمَعَهَا لَظَهَرَتْ لَهُ وَأَنْقَذَتْهُ مِنْ مَصَائِبِ الدُّنْيَا بِأَكْمَلِهَا بِإِذْنِ اللَّهِ، كَانَ الْكُلُّ يَسْتَمِعُ وَيُصْغِي كَأَنَّ مَا يَتَحَدَّثُ عَنْهُ وَاقِعٌ وَحَقِيقِيٌّ. إِلَّا وَاحِدًا كَانَ يَكْتُبُ مَا يَذْكُرُهُ سَلِيمٌ.

وَهُنَا...  
قَالَ سَلِيمٌ لِلشَّابِّ: مَا الَّذِي تَفْعَلُهُ؟ هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعْرِفَ؟  
فَنَظَرَ الشَّابُّ إِلَيْهِ دُونَ كَلَامٍ، وَسَارَ بِخُطُوَاتٍ كَالْبَرْقِ فَاخْتَفَى. وَالْجَمِيعُ يَنْظُرُ إِلَى سَلِيمٍ مُسْتَغْرِبِينَ تَصَرُّفَهُ. وَبَيْنَ اسْتِغْرَابِ سَلِيمٍ وَدَهْشَةِ الْبَاقِينَ، عَمَّ الصَّمْتُ الْمَكَانَ.

وَهُنَا... ظَهَرَ الشَّابُّ مَرَّةً أُخْرَى، مِمَّا أَثَارَ غَضَبَ سَلِيمٍ. وَكُلَّمَا تَحَدَّثَ إِلَيْهِ سَلِيمٌ، كَانَ الضَّحِكُ وَالسُّخْرِيَةُ تَغْمُرَانِ الشَّابَّ، وَيَعُمُّ الضَّجِيجُ تَنْبِيهًا لِسَلِيمٍ بِأَنَّ هُنَاكَ خَطَأً مَا، وَهُوَ لَا يَزَالُ لَا يَعْرِفُهُ.  
وَبَعْدَ صُرَاخٍ طَوِيلٍ، نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى الشَّابِّ فَإِذَا الشَّكْلُ يُشْبِهُ فِي مَلَامِحِهِ، وَطُولِهِ، وَوَزْنِهِ. وَلَمْ يَكُنْ يُلَاحِظُ هَذَا التَّشَابُهَ بِسَبِ عَصَبِيَّتِهِ الَّتِي كَانَتْ تُسَيْطِرُ عَلَيْهِ، وَغُرُورِهِ بِقُدْرَتِهِ عَلَى الْإِقْنَاعِ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا.

هُنَا قَالَ سَلِيمٌ بِخَوْفٍ وَهَلَعٍ: أَلَا تُلَاحِظُونَ الشَّبَهَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الشَّابِّ؟  
فَنَظَرَ الْجَمِيعُ إِلَيْهِ بِاسْتِغْرَابٍ.  
وَفَجْأَةً نَطَقَ شَيْخٌ كَبِيرٌ قَائِلًا: يَا سَلِيمُ، أَلَا يَكْفِيكَ مَا حَصَدْتَ مِنَ الْكَذِبِ؟ أَلَا تَمَلُّ؟ عَنْ أَيِّ شَابٍّ تَتَحَدَّثُ وَتَصِفُهُ بِالشَّبَهِ الْوَاقِعِ بَيْنَكُمَا؟ أَلَا يَكْفِي خِدَاعُكَ لِلْجَمِيعِ عَنِ الْأَنْهَارِ السَّبْعَةِ، وَالْجِنِّيَّةِ، وَقُشُورِهَا، وَغَيْرِهَا مِنَ الْقِصَصِ وَالْمَغَامَرَاتِ الْكَاذِبَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ كَذِبَكَ؟

فَقَالَ سَلِيمٌ: إِذَا كُنْتُ أَنَا أَقُولُ الْكَذِبَ، فَلِمَاذَا يَقِفُ الْجَمِيعُ لِلِاسْتِمَاعِ لِمَا أَقُولُ؟! أَلَيْسَ مِنَ الْمَنْطِقِ وَالْعَقْلِ الِابْتِعَادُ عَنِّي؟

وَهُنَا بَدَأَ صَوْتُ الرَّعْدِ يَطْرُقُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ مُعْلِنًا هُطُولَ مَطَرٍ غَزِيرٍ. فَمَا كَانَ مِنَ الْجَمِيعِ إِلَّا الْهَرَبُ وَالِاخْتِبَاءُ، وَمِنْهُمْ سَلِيمٌ، الَّذِي كَانَ يَرْكُضُ وَيَرَى ظِلَّيْنِ لَهُ يَرْكُضَانِ بِنَفْسِ سُرْعَتِهِ. فَشَعَرَ بِخَوْفٍ شَدِيدٍ، لِأَنَّهُ هُوَ فَقَطْ مَنْ يَرَى هَذَا الْمَنْظَرَ، إِذْ ذَهَبَ الْجَمِيعُ فِي الِاتِّجَاهِ الْآخَرِ تَجَنُّبًا لِوُقُوعِ حَادِثَةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ سَلِيمٍ، الَّذِي عُرِفَ بِكَثْرَةِ حَوَادِثِهِ وَمَشَاكِلِهِ.

وَمَرَّتِ السَّاعَاتُ، وَالْبَرْقُ وَالرَّعْدُ يَغْمُرَانِ الْأَرْضَ الَّتِي يَعِيشُ عَلَيْهَا سَلِيمٌ. وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّهُ بَعْدَ كُلِّ مَطْرَةٍ تُشْرِقُ شَمْسُ الْأَمَلِ وَالْحَيَاةِ؛ فَكُلُّ ظُلْمَةٍ بَعْدَهَا نُورٌ، وَكُلُّ ظُلْمٍ بَعْدَهُ عَدْلٌ. هَكَذَا هُوَ قَانُونُ الْحَيَاةِ كَمَا عَرَفْنَاهُ مِنْ رَبِّ الْكَوْنِ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

هَدَأَ الْجَوُّ، وَاخْتَفَتْ أَصْوَاتُ الرَّعْدِ وَالْأَمْطَارِ، وَبَدَأَتْ دَلَائِلُ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ تَظْهَرُ مِنْ خِلَالِ النُّورِ الَّذِي عَمَّ الْمَكَانَ بَعْدَ الظَّلَامِ.  
وَهُنَا... ظَهَرَ الشَّابُّ مَرَّةً أُخْرَى، وَهُوَ يَقْفِزُ عَلَى الْحَائِطِ كَأَنَّهُ شَبَحٌ يَنْتَقِلُ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ، ضَارِبًا مَنْ يَرَاهُ بِمَا يَحْمِلُهُ بِيَدِهِ مِنْ غُصْنٍ دُونَ كَلٍ أَوْ مَلٍ. وَالنَّاسُ تَصْرُخُ عَلَيْهِ وَتَلْعَنُهُ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَشْعُرُ بِالْخَوْفِ مِنْهُ، لِأَنَّهُ شَيْءٌ غَرِيبٌ يَظْهَرُ خَيَالُهُ عَلَى الْجُدْرَانِ، وَالْمَفْرُوضُ أَنْ يَكُونَ الْخَيَالُ إِلَى جَانِبِ الْإِنْسَانِ أَوْ خَلْفَهُ. أَمَّا الْقَفْزُ عَلَى الْحِيطَانِ فَلَا يَمُتُّ لِلْإِنْسَانِ بِصِلَةٍ.

وَمَرَّتِ السَّاعَاتُ وَالنَّاسُ تَتَسَاءَلُ: كَيْفَ يَرْتَكِبُ سَلِيمٌ هَذَا الْخَطَأَ الْجَسِيمَ؟ أَلَا يَعْلَمُ بِأَنَّ الْحِسَابَ قَدْ ثَقُلَ كَثِيرًا؟  
وَبَيْنَ التَّفْكِيرِ وَالْعِتَابِ اخْتَفَى الشَّابُّ الشَّبِيهُ بِسَلِيمٍ.

وَمَرَّتِ الْأَيَّامُ، وَسَلِيمٌ لَمْ يَعُدْ يَذْهَبُ إِلَى مَكَانِ تَجَمُّعِ الشَّبَابِ لِيَرْوِيَ لَهُمْ مَغَامَرَاتِهِ الْعَجِيبَةَ.  
وَهُنَا قَالَ حِكْمٌ، وَهُوَ مَسْؤُولُ الْمَكَانِ: يَا شَبَابُ، أَلَا تَرَوْنَ إِنَّ غِيَابَ سَلِيمٍ قَدْ طَالَ جِدًّا؟ فَقَدْ مَرَّتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ عَلَى غِيَابِهِ دُونَ أَنْ نَعْلَمَ مَا بِهِ، وَمِنْ حَقِّهِ عَلَيْنَا السُّؤَالُ عَنْهُ.

فَقَالَ فِرَاسٌ، أَحَدُ الشَّبَابِ الَّذِينَ كَانُوا يَحْقِدُونَ عَلَى سَلِيمٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ كَذِبَهُ وَأَنَّهُ يَسْتَغِلُّ طِيبَةَ قَرْيَتِهِ لِيَحْصُدَ الْمَالَ مِنْهُمْ مِنْ خِلَالِ الْقِصَصِ الْمُزَيَّفَةِ:  
أَنَا أُفَضِّلُ عَدَمَ الِاحْتِكَاكِ بِسَلِيمٍ، لِأَنَّنَا نَعْلَمُ مِقْدَارَ كَذِبِهِ وَحِيلِهِ وَاسْتِصْغَارِهِ لَنَا بِرِوَايَاتِهِ الْمُزَيَّفَةِ. فَإِذَا سَأَلَ أَحَدٌ عَنْهُ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِهْتَارِهِ بِنَا، وَقُبُولُنَا بِهَذَا الِاسْتِهْتَارِ دُونَ عُقُوبَةٍ سَيَدْفَعُهُ لِلسُّخْرِيَةِ بِنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ. لِذَا أَرْجُو مِنْكُمْ أَنْ تَتْرُكُوهُ وَحِيدًا، وَيَنَالَ عِقَابَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ.

لَكِنَّ حِكْمًا لَمْ يُعْجِبْهُ قَوْلُ فِرَاسٍ وَقَالَ: سَوْفَ أَذْهَبُ إِلَى بَيْتِ سَلِيمٍ، وَمَنْ يَرْغَبُ بِاللِّحَاقِ بِي فَلْيُجَهِّزْ نَفْسَهُ حَالًا.  
وَفِعْلًا بَدَأَ بَعْضُ مَنْ سَانَدَ حِكْمًا بِمُغَادَرَةِ الْمَكَانِ مُتَوَجِّهِينَ إِلَى بَيْتِ سَلِيمٍ لِلِاطْمِئْنَانِ عَلَيْهِ.  
وَبَيْنَ خُطُوَاتٍ بَطِيئَةٍ وَأُخْرَى سَرِيعَةٍ وَصَلَ حِكْمٌ إِلَى بَيْتِ سَلِيمٍ.  
تَوَقَّفَ الْجَمِيعُ، وَاسْتَأْذَنَ حِكْمٌ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَنْ يَسْبِقُ الْجَمِيعَ وَيَطْرُقُ الْبَابَ لِتَنْبِيهِ سَلِيمٍ. وَقَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ جُمْلَتَهُ، إِذَا بِخَيَالِ سَلِيمٍ يَتَحَرَّكُ بِسُرْعَةِ الْبَرْقِ، مِمَّا جَعَلَ الصُّرَاخَ يَعُمُّ الْمَكَانَ. فَقَدْ شَعَرَ الْجَمِيعُ أَنَّ هَذَا الْخَيَالَ خَيَالُ سَلِيمٍ، لَكِنَّهُ يَقْفِزُ بِسُرْعَةٍ مُخِيفَةٍ. فَكَيْفَ يَحْدُثُ هَذَا؟

وَهُنَا عَمَّ الصَّمْتُ وَالِاسْتِغْرَابُ، فَإِذَا بِصَوْتِ سَلِيمٍ يَنْطِقُ: مَرْحَبًا بِالْأَحِبَّةِ، أَسْعَدْتُمُونِي كَثِيرًا بِقُدُومِكُمْ. لَكِنَّ مَلَامِحَ سَلِيمٍ كَانَتْ تُوحِي بِالْإِرْهَاقِ وَالتَّعَبِ.

وَهُنَا قَالَ حِكْمٌ: بِاللَّهِ عَلَيْكَ، مَنْ أَنْتَ؟ هَلْ أَنْتَ بَشَرٌ مِثْلُنَا أَمْ مَاذَا؟ وَكَيْفَ تَقِفُ هُنَا وَتَتَحَدَّثُ مَعَنَا، وَهُنَاكَ مَنْ يَقْفِزُ كَالْبَرْقِ بِخُطُوَاتٍ لَوْ اجْتَمَعْنَا جَمِيعًا لَمَا سَبَقْنَاهُ؟  
وَهُنَا قَالَ سَلِيمٌ: وَاللَّهِ أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَمَا يَحْدُثُ لِي مِنْ أُمُورٍ تَشِيبُ لَهَا الرُّضَّعُ. فَلَا أَعْلَمُ مَا الَّذِي يَحْدُثُ لِي، وَكَيْفَ انْقَسَمْتُ إِلَى قِسْمَيْنِ.  
وَهُنَا سَقَطَ سَلِيمٌ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.

وَمَرَّتِ السَّاعَاتُ وَالنَّاسُ تَسْتَنْجِدُ بِسَلِيمٍ دُونَ عِلْمِهِ بِالْأَمْرِ. وَمَرَّتِ السَّاعَاتُ وَالشَّبَحُ يَقْفِزُ وَيَضْرِبُ وَيَرْمِي النَّاسَ بِالْحِجَارَةِ. وَبَيْنَ خَوْفٍ وَهَلَعٍ وَجُنُونٍ وَخَبَرِ انْتِشَارِ جِنِّيٍّ يُشْبِهُ سَلِيمٍ، ظَهَرَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي نَبَّهَ سَلِيمًا عَنْ كَذِبِهِ، وَكَانَ اسْمُهُ صَلَاحٌ.  
وَكَانَ هَذَا الشَّيْخُ مَعْرُوفًا بِحِكْمَتِهِ وَخِبْرَتِهِ فِي الْحَيَاةِ.

وَقَفَ الشَّيْخُ صَلَاحٌ أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَعَيْنَاهُ ثَابِتَتَانِ عَلَى جَسَدِ سَلِيمٍ الْمُلْقَى عَلَى الْأَرْضِ. ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ يَمْلَأُ الْمَكَانَ:  
"هَذَا لَيْسَ جِنِّيًّا، وَلَا شَيْطَانًا. هَذَا ظِلُّ كَذِبِكَ يَا سَلِيمُ."

الْتَفَتَ النَّاسُ إِلَيْهِ مُنْدَهِشِينَ، فَتَابَعَ:  
"كُلُّ كَذْبَةٍ تَخْرُجُ مِنْ لِسَانِكَ تُخْلَقُ لَهَا صُورَةٌ تُشْبِهُكَ. كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّ الْكَذِبَ لَا يُرَى، لَكِنَّهُ كَانَ يَتَرَاكَمُ فِيكَ حَتَّى صَارَ لَهُ ظِلٌّ مُسْتَقِلٌّ. وَالْيَوْمَ، لَمَّا اجْتَمَعَ خَوْفُكَ وَغُرُورُكَ وَخَوْفُ النَّاسِ مِنْكَ، اسْتَقَلَّ عَنْكَ تَمَامًا."

سَعَلَ سَلِيمٌ وَهُوَ يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ بِصُعُوبَةٍ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ:  
"إِذَنْ... مَنْ يَقْفِزُ عَلَى الْجُدْرَانِ؟ وَمَنْ يَضْرِبُ النَّاسَ بِالْغُصْنِ؟"

أَجَابَهُ الشَّيْخُ: "أَنْتَ. نِصْفُكَ الَّذِي صَدَّقَ الْكَذِبَ، وَارْتَاحَ لَهُ، وَلَبِسَهُ كَثَوْبٍ. وَهُوَ الْآنَ يُحَاسِبُكَ بَدَلَ النَّاسِ."

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ارْتَفَعَ صَوْتُ ضَحِكٍ خَافِتٍ مِنْ فَوْقِ سَطْحِ الْبَيْتِ. الْجَمِيعُ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا بِالشَّابِّ الشَّبِيهِ بِسَلِيمٍ يَقِفُ هُنَاكَ، يُلَوِّحُ بِالْغُصْنِ وَيَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً لَا يَعْرِفُهَا وَجْهُ سَلِيمٍ.  
صَرَخَ سَلِيمٌ: "ارْجِعْ إِلَيَّ! أَنْتَ أَنَا!"

قَفَزَ الظِّلُّ قَفْزَةً وَاحِدَةً، وَاسْتَقَرَّ أَمَامَ سَلِيمٍ. وَقَفَ الِاثْنَانِ وَجْهًا لِوَجْهٍ، لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا إِلَّا بَرِيقُ الْعَيْنِ. أَحَدُهُمَا فِيهِ خَوْفٌ وَنَدَمٌ، وَالْآخَرُ فِيهِ سُخْرِيَةٌ وَشَمَاتَةٌ.  
قَالَ الظِّلُّ: "لَمْ أَعُدْ أَحْتَاجُكَ. أَنَا أَصْدَقُ مِنْكَ، لِأَنَّنِي لَا أُخْفِي شَيْئًا."

ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ، وَكَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَمْحُوَ سَلِيمًا.  
لَكِنَّ سَلِيمًا لَمْ يَتَرَاجَعْ. تَقَدَّمَ خُطْوَةً وَقَالَ: "إِنْ كُنْتُ أَنَا، فَأَنَا أَوْلَى أَنْ أُحَاسِبَ نَفْسِي."

سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ. وَفَجْأَةً، بَدَأَتْ مَلَامِحُ الظِّلِّ تَذُوبُ كَالدُّخَانِ. ضِحْكَتُهُ خَفَتْ، وَجَسَدُهُ انْكَمَشَ حَتَّى صَارَ ظِلًّا عَادِيًّا عَلَى الْأَرْضِ.  
قَالَ الشَّيْخُ صَلَاحٌ: "الِاعْتِرَافُ يَقْتُلُ الْكَذِبَ. وَالْكَذِبُ لَا يَعِيشُ إِلَّا فِي الظَّلَامِ."

وَقَفَ سَلِيمٌ بِصُعُوبَةٍ، وَنَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ الْمُرْتَعِشَتَيْنِ. لَمْ يَعُدْ يَرَى ظِلَّيْنِ، بَلْ ظِلًّا وَاحِدًا يَتَحَرَّكُ مَعَهُ حَيْثُمَا تَحَرَّكَ.  
الْتَفَتَ إِلَى حِكْمٍ وَفِرَاسٍ وَالنَّاسِ وَقَالَ:  
"لَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ قِصَصًا أُبْهِرُكُمْ بِهَا. لَكِنَّنِي أَمْلِكُ حَقِيقَةً وَاحِدَةً: كُنْتُ كَاذِبًا. وَمِنَ الْيَوْمِ، إِنْ تَكَلَّمْتُ، فَلْيَكُنْ صِدْقًا، وَلَوْ أَوْجَعَنِي."

مَرَّتْ أَيَّامٌ، وَاخْتَفَتْ أَخْبَارُ الظِّلِّ الَّذِي يَقْفِزُ. وَعَادَ سَلِيمٌ إِلَى مَجْلِسِ الشَّبَابِ، لَا لِيَحْكِيَ عَنِ الْبِحَارِ السَّبْعَةِ وَالْجِنِّيَّةِ، بَلْ لِيَجْلِسَ صَامِتًا، يَسْتَمِعُ.  
وَكَانَ مَنْ يَسْأَلُهُ: "أَيْنَ مَغَامَرَاتُكَ؟"  
يَبْتَسِمُ وَيَقُولُ: "أَكْبَرُ مَغَامَرَةٍ خُضْتُهَا كَانَتْ مَعَ نَفْسِي... وَخَسِرْتُ فِيهَا طَوِيلًا، حَتَّى رَبِحْتُ."

وَهَكَذَا، عَادَ الْهُدُوءُ إِلَى الْقَرْيَةِ. وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَرَى خَيَالًا يَقْفِزُ عَلَى الْجُدْرَانِ.  
لِأَنَّ الْكَذِبَ، مَتَى انْكَشَفَ، لَا يَجِدُ لَهُ ظِلًّا يَقِفُ عَلَيْهِ.
معلومات مصدر القصة 

الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
انضم الآن
تيليجرام
انضم الآن
فيسبوك
متابعة
يوتيوب
اشتراك
انستجرام
متابعة
تيك توك
متابعة
ماسنجر
انضم
فايبر
انضم
بينتيريست
متابعة
منصة X
متابعة
ثريدز
متابعة
تطبيقنا
تحميل
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.
تعليقات