قصة صَمْتِ الجُمجُمَة الكاتبة : قصة من تأليف المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين
القصة بعنوان صَمْتِ الجُمجُمَة تأليف المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين
![]() |
| قصة صَمْتِ الجُمجُمَة الكاتبة المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين |
كَثِيرًا مَا يَجُولُ بِخَاطِرِي الحَدِيثُ عَنِ العَقْلِ وَأَهَمِّيَّتِهِ لِلْإِنْسَانِ، وَكَيْفَ يَسُوقُ صَاحِبَهُ إِمَّا إِلَى الخَيْرِ أَوْ إِلَى الشَّرِّ. وَهَذَا القَرَارُ يَتَوَقَّفُ عَلَى فِطْنَةِ مَنْ يُرَجِّحُ عَقْلَهُ نَحْوَ السَّبِيلِ السَّلِيمِ.
وَهَذَا مَا جَرَى لِقُصَيٍّ، مُرَبِّي الأُسُودِ، الَّذِي عُرِفَ بِرَجَاحَةِ عَقْلِهِ وَفِطْنَتِهِ. لَكِنَّ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، وَاخْتِيَارُهُ لِطَرِيقِهِ، كَشَفَ عَنْ فَرَاغٍ تَامٍّ فِي عَقْلِهِ. فَكَيْفَ لِشَابٍّ فِي عُمُرِ الوَرْدِ أَنْ يَهْجُرَ العِلْمَ وَالدِّرَاسَةَ لِأَجْلِ المَالِ؟ وَبِأَيِّ سَبِيلٍ؟! بِتَدْرِيبِ الأُسُودِ، أَخْطَرِ وُحُوشِ الغَابِ.
فَكَيْفَ لِعَقْلٍ لَا رَجَاحَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ اخْتَارَ الخَطَأَ، أَنْ يَقُودَ عَقْلَ وَحْشٍ مُفْتَرِسٍ، لَا هَمَّ لَهُ إِلَّا اللَّحْمُ، أَيًّا كَانَ مَصْدَرُهُ؟
عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِنَرَ: أَتُظْهِرُ القِصَّةُ رَجَاحَةَ قُصَيٍّ، أَمْ غَبَاءَهُ؟
فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ لِاخْتِيَارِهِ هَذَا العَمَلَ، وَقَفَ قُصَيٌّ وَاثِقًا، قَوِيَّ البُنْيَةِ، مُتَمَكِّنًا مِنْ صَنعَتِهِ. فَأَعْطَى انْطِبَاعًا بِبَرَاعَتِهِ فِي تَسْيِيرِ وَحْشٍ مُفْتَرِسٍ. وَضَعَ اللَّحْمَ دَاخِلَ حَلْقَةٍ تَحْتَهَا جَمْرٌ خَفِيفٌ، وَعَرَضَهَا عَلَى الأَسَدِ.
فَنَظَرَ الأَسَدُ إِلَى الحَلْقَةِ يُفَكِّرُ فِي الطَّعَامِ، لَكِنَّهُ شَعَرَ بِالخَطَرِ لِاقْتِرَابِهِ مِنْ نَارٍ تُحِيطُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ ضَئِيلَةً. وَهُنَا... رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى قُصَيٍّ كَأَنَّهُ يَسْتَغِيثُ.
فَاسْتَغَلَّ قُصَيٌّ جُوعَهُ، وَقَرَّبَ عَمُودًا يَسْحَبُ بِهِ قِطَعَ اللَّحْمِ بَعِيدًا عَنِ اللَّهَبِ. وَالأَسَدُ يُرَاقِبُ بِتَمَعُّنٍ، كَأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ قُصَيًّا يُرِيدُ مَعُونَتَهُ. ثُمَّ جَسَّ اللَّحْمَ بِقَدَمِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: "أَعْلَمُ أَنَّهُ حَارٌّ، لَكِنِّي سَأُبَرِّدُهُ بِالتُّرَابِ". فَحَفَرَ حُفْرَةً بِيَدِهِ، وَوَارَى فِيهَا اللَّحْمَ، وَرَدَمَهَا بِالتُّرَابِ.
وَمَضَتِ السَّاعَاتُ، وَكِلَاهُمَا يَعْمَلُ عَلَى مَا يُرِيدُ: قُصَيٌّ يُطَمْئِنُ الأَسَدَ، وَالأَسَدُ يُبْعِدُ طَعَامَهُ عَنِ النَّارِ لِيَأْكُلَهُ. لَكِنَّ اللَّحْمَ تَعَرَّضَ لِلْحَرَارَةِ فَصَارَ مَشْوِيًّا، لَا نَيِّئًا كَمَا تَعَوَّدَ.
كَانَتْ هَذِهِ خُطَّةُ قُصَيٍّ لِتَلْيِينِ طَبْعِ الأَسَدِ. وَبِالتِّكْرَارِ تَبَدَّلَتْ طِبَاعُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. حَتَّى جَرَّبَ يَوْمًا أَنْ يُقَدِّمَ لَهُ لَحْمًا نَيِّئًا كَبِيرًا، فَرَفَضَهُ الأَسَدُ وَتَرَكَهُ كَمَا هُوَ. فَظَنَّ قُصَيٌّ أَنَّهُ انْتَصَرَ بِفِكْرَتِهِ وَعَبْقَرِيَّتِهِ. وَلَمْ يُدْرِكْ أَنَّ الغَرِيزَةَ لَا تَمُوتُ، وَأَنَّ الطَّبِيعَةَ تَبْقَى عَلَى مَا فَطَرَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَغَيَّرَتْ أَفْعَالُهَا لِوَهْلَةٍ أَوْ لِحِينٍ.
وَمَرَّتِ الأَيَّامُ، وَالأَسَدُ يُظْهِرُ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَقُصَيٌّ وَاثِقٌ أَنَّهُ قَدْ غَيَّرَ طَبْعَهُ. فَظَنَّ أَنَّهُ ظَفِرَ بِمَا لَمْ يَظْفَرْ بِهِ غَيْرُهُ، وَأَنَّ التَّرْقِيَةَ وَالمَالَ صَارَتَا قَرِيبَتَيْنِ. وَذَاعَ صِيتُهُ فِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ بِاسْمِ "مُرَوِّضِ الأُسُودِ".
وَبَلَغَ خَبَرُهُ رَجُلَ أَعْمَالٍ إِمَارَاتِيٍّ مَشْهُورًا بِحُبِّهِ لِلْوُحُوشِ المُفْتَرِسَةِ. فَأَرْسَلَ مَكْتَبُهُ إِلَى قُصَيٍّ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الذَّهَابَ إِلَى الإِمَارَاتِ لِتَرْوِيضِ مَا عِنْدَهُ مِنْ حَيَوَانَاتٍ، بِأَجْرٍ سَخِيٍّ. وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ شَرْطًا وَاحِدًا: إِنْ عَجَزَ، كَانَ هُوَ طُعْمَةً لِتِلْكَ الوُحُوشِ.
فَوَافَقَ قُصَيٌّ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ عَقْلَهُ لَا يُغْلَبُ، وَأَنَّهُ قَدْ قَهَرَ مَلِكَ الغَابَةِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ؟ وَسَافَرَ، وَكُتِبَ العَقْدُ، وَأَخَذَهُ مُحَمَّدٌ، مُدِيرُ المَكْتَبِ، لِيُرِيَهُ الحَيَوَانَاتِ: تِمْسَاحًا، وَنَسْرًا، وَذِئْبًا، وَنُمُورًا، وَأُسُودًا.
طَلَبَ قُصَيٌّ غُرْفَةً تُطِلُّ عَلَيْهَا لِيَدْرُسَ طِبَاعَهَا، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ. وَمَضَى شَهْرٌ وَهُوَ يَكْتُبُ وَيَرْسُمُ وَلَا يَعْمَلُ. فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ: "يَا قُصَيُّ، مَرَّ شَهْرٌ وَأَنْتَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ وَتَأْخُذُ أَجْرَكَ وَلَمْ تَأْتِ بِحَلٍّ. أَمَا وَجَدْتَ سَبِيلًا؟"
فَضَحِكَ قُصَيٌّ سَاخِرًا وَقَالَ: "أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا وَسَخَّرَ لَنَا الكَوْنَ، وَمَنَحَنَا عَقْلًا فَقَدَتْهُ سَائِرُ المَخْلُوقَاتِ؟ أَلَيْسَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّنَا سَادَةُ الأَرْضِ، وَأَنَّ الحَيَوَانَاتِ خُلِقَتْ لِخِدْمَتِنَا؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: 5-7]. فَهَلْ هُنَاكَ أَصْدَقُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ؟"
قَالَ مُحَمَّدٌ: "بَلَى وَاللَّهِ، لَكِنَّكَ أَبْطَأْتَ."
قَالَ قُصَيٌّ: "لِأَنَّنِي كُنْتُ أَدْرُسُ كَيْفَ أُغَيِّرُ طَبْعَ الوُحُوشِ المُفْتَرِسَةِ. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا طَرِيقَةٌ فِي الغَدْرِ، فَوَجَبَ أَنْ أَجِدَ طَرِيقَةً تَجْمَعُهَا جَمِيعًا."
قَالَ مُحَمَّدٌ: "أَوَجَدْتَهَا؟"
قَالَ قُصَيٌّ: "نَعَمْ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ. وَجَدْتُ حَجَرًا يَخْزِنُ الحَرَارَةَ سَاعَاتٍ دُونَ أَنْ يُحْرِقَ اللَّحْمَ. نَضَعُهُ فِي النَّارِ، ثُمَّ نَلُفُّ عَلَيْهِ اللَّحْمَ. فَيَأْخُذُ الحَرَارَةَ وَالنَّكْهَةَ فَيَصِيرُ مَطْبُوخًا ظَاهِرًا، وَأَحْمَرَ مِنَ الدَّاخِلِ. فَلَا تَشْعُرُ الحَيَوَانَاتُ بِتَغْيِيرٍ، لَكِنَّ طِبَاعَهَا تَتَبَدَّلُ مِنْ شَرَاسَةٍ إِلَى لِينٍ."
فَصَفَّقَ لَهُ مُحَمَّدٌ وَقَالَ: "وَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْكَ هَذِهِ الفِكْرَةُ؟"
قَالَ: "مِنْ مُلَاحَظَةِ طِبَاعِهَا، وَمِنْ نَفْسِ طَرِيقَتِي مَعَ الأَسَدِ الَّذِي ذَاعَ صِيتِي بِسَبِهِ."
وَبَدَأَ قُصَيٌّ تَجْرِبَتَهُ، فَنَجَحَتْ. وَأَعْجَبَ رَجُلُ الأَعْمَالِ بِمَا رَأَى، إِذْ أَصْبَحَتِ الحَيَوَانَاتُ تُفَضِّلُ المَطْبُوخَ عَلَى النَّيِّئِ. فَصَارَ قُصَيٌّ أَعْظَمَ مُرَوِّضٍ لِلْوُحُوشِ المُفْتَرِسَةِ.
وَلَكِنَّ غَدْرَ الحَيَوَانِ لَا يُؤْمَنُ، لَا سِيَّمَا إِذَا شَعَرَ بِالخِدَاعِ. وَكَانَ التِّمْسَاحُ أَضْعَفَهَا شَمًّا، فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ الرَّائِحَةُ، وَإِنَّمَا أَثَّرَ فِيهِ نَوْعُ الطَّعَامِ نَفْسُهُ. وَالغَرِيزَةُ، وَإِنْ خَبَتْ، تَعُودُ عِنْدَ الخَطَرِ وَالدِّفَاعِ. وَهَذَا مَا لَمْ يَفْهَمْهُ قُصَيٌّ. ظَنَّ الحَيَوَانَ كَالطِّفْلِ يُشَكِّلُهُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَنَسِيَ أَنَّ الطِّفْلَ لَهُ عَقْلٌ يُمَيِّزُ بِهِ الخَوْفَ وَالحُبَّ، أَمَّا الحَيَوَانُ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا فَطَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَا مُبَدِّلَ لِخَلْقِ اللَّهِ.
وَفِي يَوْمِ الوَدَاعِ، أَرَادَ قُصَيٌّ أَنْ يُثْبِتَ نَجَاحَ نَظَرِيَّتِهِ أَمَامَ الجَمِيعِ. فَوَقَفَ يُطْعِمُ الحَيَوَانَاتِ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَالجُمْهُورُ يُصَفِّقُ وَيَهْتِفُ لِانْتِصَارِهِ. حَتَّى إِذَا جَاءَ دَوْرُ التِّمْسَاحِ، قَدَّمَ لَهُ اللَّحْمَ الَّذِي سَوَّاهُ بِالحَجَرِ الحَارِّ، وَرَفَعَ يَدَهُ مُلَوِّحًا بِالنَّصْرِ.
وَبَيْنَمَا هُوَ فِي نَشْوَةِ الفَوْزِ، انْقَضَّ عَلَيْهِ التِّمْسَاحُ قَفْزَةً وَاحِدَةً، فَابْتَلَعَهُ أَمَامَ الجَمِيعِ. فَوَقَفَ النَّاسُ بَيْنَ ذُهُولٍ وَدَهْشَةٍ.
وَهَكَذَا أَثْبَتتِ القِصَّةُ شَيْئًا وَاحِدًا: لَا يَصِحُّ إِلَّا الصَّحِيحُ. وَلَا يَسْتَوِي صَاحِبُ العَقْلِ وَمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ. وَأَثْبَتَ التِّمْسَاحُ أَنَّ لِقُصَيٍّ عَقْلًا فَارِغًا، حِينَ ظَنَّ أَنَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يُغَيِّرَ خَلْقَ اللَّهِ بِعَقْلِهِ، وَنَسِيَ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ مُسَخِّرُ الكَوْنِ، صَانِعُ المُعْجِزَاتِ، وَأَنَّ الإِنْسَانَ نَفْسَهُ مُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ. فَكَيْفَ يَتَجَاوَزُ المَخْلُوقُ خَالِقَهُ لِيُثْبِتَ بَرَاعَتَهُ؟
معلومات مصدر القصة
الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
تيليجرام
فيسبوك
يوتيوب
انستجرام
تيك توك
ماسنجر
فايبر
بينتيريست
منصة X
ثريدز
تطبيقنا
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.

عزيزي المشاهد لا تترك الموضوع بدون تعليق وتذكر ان تعليقك يدل عليك فلا تقل الا خيرا :: كلمات قليلة تساعدنا على الاستمرار في خدمتكم ادارة الموقع ... ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )