قصة لم ينتهِ الطريق عند الغياب الكاتبة : قصة من تأليف المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين
القصة بعنوان لم ينتهِ الطريق عند الغياب تأليف المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين
![]() |
| قصة لم ينتهِ الطريق عند الغياب الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين |
كثيرًا ما نظنّ أنّ فقدان شخصٍ عزيز يعني توقّف الحياة ، وأنّ وجودنا بلا معنى بعده، حتى نشعر أنّنا لا نستحقّ البقاء. لكنّ الحقيقة أنّها اختباراتٌ إلهيّة تكشف قدرتنا على مواجهة امتحانات الدنيا : هل نتكيّف معها أم نرفضها ونتذمّر؟ ويكون ردّ الله علينا على قدر ما اخترنا، والله أعلم.
أنا ناظم، طالب في السنة الرابعة طب، متميّز في دراستي وحياتي العملية. أما حياتي الشخصية فكانت دائمًا نقطة ضعفي. كنتُ أطلب من والديّ الفهم والمراعاة، لكنّي لم أمنحهما إياهما. اعتبرتُ رعايتهما لي واجبًا مفروضًا عليهما، وأنّهما مسؤولان عن كل قرارٍ أتخذه. هكذا كنتُ أرى الحياة.
مرّت الأيام وأنا أواجههما بصلافة، غير معترفٍ بفضلهما في وصولي لهذا المستوى. بأنانيتي وقلة اهتمامي حدث الفتور بيننا. هم يرونني مقصّرًا، وأنا أرى أنّ هذا واجبهم. كنتُ أسأل: لماذا تكوّنت عائلة إن لم يكن هناك استعداد لتحمّل المسؤولية؟
الذي غيّرني كان مرض أمّي. سرطان الدم.
ذلك الشعور البارد حين رأيت اسمها مكتوبًا على ورقٍ قادم من العيادة لا يُنسى.
رغم الجفاء، لم أكره عائلتي يومًا. أحبّهم، لكنّي لم أعرف كيف أعبّر عن هذا الحب. كان همّي الوحيد التفوق الدراسي ودخول الطب، وقد تحقّق ذلك بفضل الله. لكنّي لم أدرك أنّ ما وصلتُ إليه لم يكن بسعيي وحدي. كان بسعي أبي وأمّي معي.
هما وفّرا لي الهدوء، والرعاية، والوقت، والمال. رفضا أن أعمل أو أحمل همّ المصروف، وحملا عنّي كل شيء.
كنتُ أراها بعيني لكنّي أتجاهلها، كي لا أشعر أنّ فضل نجاحي لهم. أردتُ أن يكونوا هم من يفخرون بي، لا أن أشعر أنّي مدين لهم.
وهذا كان الخطأ. فلا نجاح يولد بلا تعاون بين الأهل والطالب. ولم أفهم ذلك إلا بعد فوات الأوان، وبمحض الصدفة.
كنتُ جالسًا في الحديقة أراجع لامتحان المنافسة حين طُرق الباب. فتحتُه فوجدتُ شابًا أنيقًا يرتدي نظارة. قال:
- عذرًا، هل هذا منزل الستّ وئام، مديرة مدرسة النضال الابتدائية؟
أجبتُ بنعم.
- تفضّل يا سيدي. هذا ملفّ يخصّ السيدة وئام. طلب منّي طبيبها حسام توصيله، لكنّي تأخرتُ بسبب ظرفٍ خاص، فأعتذر.
نظرتُ إليه مستغربًا. ملفّ من طبيب، ويخصّ أمّي. إذن هي مريضة ولم تخبرنا، أو أنا من لم أرَ شيئًا بسبب انشغالي بنفسي.
وقّعتُ على الاستلام وأنا حائر: أأفتح الملفّ أم أتجاوز؟
ظهرت أختي فاطمة فأخفيتُ الظرف سريعًا. سألتني:
- ناظم، ما بك؟ كأنّك سمعت خبرًا سيئًا.
ابتسمتُ ابتسامةً باهتة وقلت:
- رأيتُ طفلًا يعمل منظّف شوارع وكان المفروض أن يكون في المدرسة.
فقالت:
- ليس كلّ الناس يعيشون مثلنا. الحمد لله على نعمة أبويّنا. لولاهما لكنّا مثله أو أسوأ.
كانت كلماتها صفعة أيقظتني. نظرتُ إليها دون ردّ، وعقلي مشغول بالملفّ.
وفجأة ظهرت أمّي وقالت:
- ماذا بك يا عزيزي؟ ألا تسمع نداء أختك؟ بماذا تفكّر؟
ارتميتُ في حضنها باكيًا دون مقدّمة. دهشت وسألت:
- ناظم، وأنت بهذا العمر تبكي؟ ما عهدتك هكذا. لقد واجهتَ أصعب المواقف وصمدت. والآن اطمأنّ قلبي أنّك قادر على حمل مسؤولية أخواتك من بعدي.
وضعتُ يدي على فمها والدموع تنهمر:
- يا أمّي، لا تقولي هذا مرة أخرى. أنا بدونك وبدون عائلتي لا شيء.
نظرت إليّ نظرةً تمنّيتُ لو لم أرها. كأنّها تقول: أين كان هذا الحنان من قبل؟ لقد تأخّرت يا بني، لكنّي أدعو الله أن أراك في أجمل مكان.
ودّعتها وذهبتُ إلى غرفتي وعقلي مع الملفّ. جلستُ حائرًا: أأفتحه أم أجلس مع أمّي لتشرح لي ما فيه؟
شعرتُ بشيءٍ يفرك ساقي. كانت "بسبوس"، قطة البيت القديمة، نفسها التي كنتُ أطردها وأنا صغير لأنّها تشتّت تركيزي. الآن تجلس قربي بصمت.
جلستُ ومسحتُ على رأسها بيدٍ مرتجفة، كأنّي أعتذر لكلّ من أهملتهم.
عجز عقلي عن إيجاد حلّ، فتوجّهتُ إلى الله. توضّأتُ وصلّيتُ، وقلتُ بصدق:
"أنا العبد الضعيف، لا حول لي ولا قوّة إلا بك. أنت تعلم ما في قلبي قبل أنطق به. إن كان هذا اختبارًا فهوّنه، وإن كان عقوبةً فاجعلها بي ولا تجعلها بأمّي يا أرحم الراحمين."
بين دموعي ودعائي دخل أبي الغرفة. قال بهدوء:
- يا ناظم، هل علمتَ ما حدث لوالدتك؟
قلت:
- لا، لكن هناك ملفّ من الطبيب، والجواب فيه.
قال:
- أعطني الملفّ. فقد تكون النتيجة غير ما نظنّ، ولدينا ربٌّ كريم.
قلت:
- أريد أن أعرف بنفسي. أنا طبيبها اليوم.
قال:
- افتحه بيدك. سبحان الله، أردناك طبيب الناس، فكان أول ملفّ هو ملفّ أمّك.
لم أتمالك نفسي فوضعتُ رأسي على صدره وبكيت. وضع يده على كتفي وقال:
- الرجل موقف يا ناظم. أنت الآن في أصعب موقف. كن سندًا لأخواتك. بكَ أطمئن عليهنّ.
قلت:
- حتى رسول الله بكى لفقد أحبّته. فلماذا أمنع دمعي؟ ولماذا لا أندم على ما فعلتُ وظننتُه صوابًا؟
قبّلتُ قدمه أطلب الغفران. بكينا معًا، ثم قال:
- انسَ ما مضى. هاتِ الملفّ، ويكفي ما ندمتَ عليه.
فتحتُ الملفّ.
في السطر الأول قرأتُ: لوكيميا حادة – سرطان الدم.
توقّفت الدنيا.
أنا الذي درستُ هذا المرض وشرحته لزملائي، صار مكتوبًا باسم أمّي.
تذكّرتُ حضنها قبل قليل، ودموعها وهي تقول: "أتمنّى أن أراك في أجمل مكان".
وتذكّرتُ أنّي لم أقل لها يومًا: أنا خائف عليك، أنا أحبّك، أنا نادم.
ضحكتُ ضحكةً مكسورة. ماذا ينفع الطبّ إن عجزتُ عن إنقاذ أمّي؟
أعدتُ الورقة وأغمضتُ عيني. لم أعد أفكّر بالامتحان ولا بالبيت. كل ما شغلني: كم يومًا ضيّعتُه وأنا أظنّ أنّ حبّها مضمون؟
سمعتُ صوت أبي:
- حاولنا أن نخفي الأمر حتى تتخرّج، لكنّ قدر الله نافذ.
قلت:
- الأمل بالله موجود. والطبّ تطوّر. وإن لم أجد العلاج، فسأكون أنا من يصنعه لأمّي. هذا أقلّ ما أفعله لكما. لكن أرجوك، لا تخبرها أنّي علمت.
نظر إليّ بفخر وقال:
- الشدائد تظهر معادن الناس، ومعدنك أصيل. من اليوم سأعتمد عليك ولن أخفي عنك شيئًا.
من تلك اللحظة أغلقتُ على نفسي. قرأتُ كل بحثٍ عن المرض حتى وجدتُ علاجًا نظريًا. لكن كان لا بدّ من تجربته.
تحدّثتُ مع أستاذي الدكتور حيدر. قال:
- لا يمكن تجربته على البشر مباشرة. لديّ مريضة فقيرة بنفس المرض. هل تقبل؟
قلت:
- اعرض عليها الأمر كاملًا. القرار لها.
وافقت المرأة، أمّ صالح، وقالت:
- كلّنا سنموت. لكن إن كنتم تمنحونني أيامًا إضافية تنفع الناس، فأنا راضية.
أُجريت التجربة. بعد عشرة أيام شُفيت أمّ صالح تمامًا.
حينها قلت لحيدر:
- افعل لأمّي ما فعلتَ لها.
قال:
- قد يختلف جسمها، لكن نتوكّل على الله.
أُجريت العملية لأمّي. ومرّت عشرة أيامٍ كأنّها دهر.
في اليوم الأخير فحصنا دمها.
النتيجة: اختفاء المرض كليًا.
بكيتُ وأنا أحضن أستاذي وقلت:
- هذا الإنجاز باسمك. أنت من أنقذتها بعد الله.
قال:
- لا أسرق جهد غيري. نجاحك نجاحي، ونجاحي مكمّل لنجاحك.
دخل أبي واخواتي والدموع تتساقط من الفرح بسبب نجاح عملية امي.
عندها قرّرتُ أن أعلن هذه القصة للجميع. وان لا اجعلها بين جدران بيتنا فقط ليعلَم كلّ من يستهين بجهد والديه أنّ الفضل لهما بعد الله في كل حلمٍ تحقّق.
يا عائلتي، يا نعمة الدّهر والبقاء،
أنتم السندُ والأوفياء،
أنتم القلبُ النابضُ في كلّ حين،
وأنتم السعادةُ التي تملأُ العين.
أنتم الأمّ الحنونُ في دروب الحياة،
والأبُ العظيمُ رمزُ الثبات،
والإخوةُ سندٌ في كلّ شدّة،
والعطاءُ الذي لا يعرفُ حدّة.
في حضنكم تهونُ مصاعبُ الأيام،
وبوجودكم تزولُ كلّ الأحزان.
أنتم الأمانُ والراحةُ،
وأنتم الوطنُ الذي لا يعرفُ الحرب.
معلومات مصدر القصة
الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
تيليجرام
فيسبوك
يوتيوب
انستجرام
تيك توك
ماسنجر
فايبر
بينتيريست
منصة X
ثريدز
تطبيقنا
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.

عزيزي المشاهد لا تترك الموضوع بدون تعليق وتذكر ان تعليقك يدل عليك فلا تقل الا خيرا :: كلمات قليلة تساعدنا على الاستمرار في خدمتكم ادارة الموقع ... ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )