قصة اِعْتِرَافٌ لَا يُمْحَى الكاتبة : قصة من تأليف المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين
![]() |
| قصة اِعْتِرَافٌ لَا يُمْحَى الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين |
السَّاعَةُ الخَامِسَةُ صَبَاحًا، وَالضَّبَابُ كَثِيفٌ جِدًّا. لَا أَدْرِي هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسِيرَ بِسَيَّارَتِي فِي هَذَا الجَوِّ الجَمِيلِ المُزْعِجِ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ؟
أَنَا سَمِيرٌ، ابْنُ الخَامِسَةِ وَالأَرْبَعِينَ عَامًا، أَعْمَلُ فِي شَرِكَةِ كَهْرَبَاءِ البَصْرَةِ. وَاليَوْمُ مَوْعِدُ عَوْدَتِي إِلَى الدَّوَامِ، وَلَا أَدْرِي هَلْ أَسْتَطِيعُ الحُصُولَ عَلَى سَيَّارَةٍ تُوصِلُنِي إِلَى عَمَلِي الجَدِيدِ، الَّذِي نُقِلْتُ إِلَيْهِ بَعْدَ مُشَاجَرَتِي مَعَ رَئِيسِي المُبَاشِرِ، بِسَبِ مَوْقِفِهِ مِنِّي عِنْدَمَا دَافَعْتُ عَنْ مُوَظَّفٍ مَعِي أَهَانَهُ قَسْوَةً أَمَامَ الجَمِيعِ، بِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الخَطَأَ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا أَبَدًا.
سِرْتُ خُطُوَاتٍ وَأَنَا أُفَكِّرُ بِوَضْعِي، وَالهَمُّ أَحْمِلُهُ عَلَى كَتِفِي. لَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي لَمْ أَنْسَهَا، فَكَانَ الأَمَلُ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ شَدِيدَيْنِ جِدًّا.
وَبَيْنَ تَفْكِيرِ العَقْلِ وَمَشَاعِرِ القَلْبِ لَحَظَاتٌ جَعَلَتْنِي أَعِيشُ لِجَمَالِ مَنْظَرِ الدُّنْيَا، وَالضَّبَابُ يُغَطِّي مَلَامِحَ الجَمِيعِ.
وَفَجْأَةً ظَهَرَ مِنْ بَعِيدٍ ضَوْءٌ جَعَلَ المَكَانَ وَاضِحًا، وَمَا إِنِ اقْتَرَبَ مِنِّي حَتَّى تَفَاجَأْتُ أَنَّهُ حُسَامُ ابْنُ خَالَتِي.
قَالَ سَمِيرٌ: حُسَامُ، مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ الآنَ؟! هَلْ هُنَاكَ حَدَثٌ مَا جَعَلَكَ تَأْتِي إِلَيْنَا فِي هَذَا الوَقْتِ المُبَكِّرِ؟
قَالَ حُسَامٌ: مَا جِئْتُ إِلَيْكُمْ إِلَّا لِأَنَّ شَأْنًا عَرَضَ لِي، فَاقْتَضَى مُرُورِي بِقُرْبِكُمْ.
قَالَ سَمِيرٌ: حَسَنًا، الحَمْدُ للهِ. سُؤَالٌ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُوصِلَنِي إِلَى أَقْرَبِ كَرَاجٍ كَيْ أَسْتَقِلَّ سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ تُعِينُنِي عَلَى الذَّهَابِ إِلَى مَحَلِّ عَمَلِي الجَدِيدِ؟
قَالَ حُسَامٌ: أَوَتَسْأَلُ بِاللهِ عَلَيْكَ؟ هَيَّا اصْعَدْ، وَضَعْ حَقِيبَتَكَ فِي الصُّنْدُوقِ الخَلْفِيِّ.
فَفَعَلَ سَمِيرٌ مَا قَالَهُ حُسَامُ وَدَخَلَ السَّيَّارَةَ، وَسَارَ الاثْنَانِ مَعَ مُوسِيقَى تُنَاسِبُ الضَّبَابَ بِصَوْتِهَا العَذْبِ. وَمَنْ هِيَ؟ إِنَّهَا فَيْرُوزُ، سَيِّدَةُ الصَّوْتِ الهَادِئِ الَّذِي يُنَاسِبُ أَجْوَاءَ الصَّبَاحِ بِكُلِّ أَوْقَاتِهِ وَفُصُولِهِ.
وَبَيْنَ نَغَمَاتِ فَيْرُوزَ وَالحَدِيثِ الجَمِيلِ مَعَ بَعْضِهِمَا البَعْضِ، وَفَجْأَةً... سُمِعَ صَوْتٌ قَوِيٌّ ارْتَطَمَ بِالسَّيَّارَةِ.
قَالَ سَمِيرٌ: يَا اللهُ، يَا رَبِّ، لَا تَجْعَلْ خُطُوَاتِنَا مُعَرَّضَةً لِمَصَائِبِ الطَّرِيقِ، يَا اللهُ، يَا رَبِّ.
وَهُنَا تَرَجَّلَ الاثْنَانِ مِنَ السَّيَّارَةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ فِي السِّنِّ وَالدِّمَاءُ تَسِيلُ مِنْ وَجْهِهَا. نَظَرَ الاثْنَانِ إِلَى بَعْضِهِمَا البَعْضِ: يَا رَبِّ، مَا الَّذِي حَدَثَ؟ أَهُوَ دُعَاءُ مَظْلُومٍ أَمْ امْتِحَانٌ وَاخْتِبَارٌ لَنَا؟ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، لَكِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ بَابُ الفَرَجِ لَنَا.
خَيَّمَ الصَّمْتُ بَيْنَهُمَا، لَا يَفْهَمُهُ إِلَّا مَنْ أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُمَا.
وَفَجْأَةً ظَهَرَتْ سَيَّارَةٌ وَضَحَتْ مِنْ خِلَالِ نُورِهِمَا السَّاطِعِ، فَمَا كَانَ مِنْ صَاحِبِ السَّيَّارَةِ إِلَّا أَنْ وَقَفَ لِمُسَاعَدَتِهِمَا. وَمَا إِنْ رَأَى السَّائِقُ الجَسَدَ المُلْقَى عَلَى الأَرْضِ حَتَّى دَارَ بِعَجَلَةِ القِيَادَةِ مُسْرِعًا، مُحَاوِلًا الابْتِعَادَ قَبْلَ أَنْ يُوَرِّطَ نَفْسَهُ فِيمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ.
فَوَقَفَ سَمِيرٌ وَحُسَامٌ وَحْدَهُمَا أَمَامَ المُصِيبَةِ، وَالضَّبَابُ يَعُودُ لِيَبْتَلِعَ المَكَانَ مِنْ جَدِيدٍ. مَرَّتِ السَّاعَاتُ كَأَنَّهَا سِنُونَ مِنَ العَذَابِ، فَلَمْ يَنْجُ سَمِيرٌ مِنْ مُصِيبَتِهِ الأُولَى حَتَّى ظَهَرَتْ لَهُ مُصِيبَةٌ جَدِيدَةٌ لَمْ تَخْطُرْ عَلَى بَالِهِ. تُرَى أَهُوَ حَظُّهُ أَمْ حَظُّ حُسَامٍ أَمْ حَظُّ المَرْأَةِ العَجُوزِ؟
اسْتَمَرَّتِ الأَفْكَارُ تُخَاطِبُهُمَا دُونَ صَوْتٍ، بَلْ بِإِشَارَاتٍ غَرِيبَةٍ، وَهُمَا يَرْغَبَانِ بِالنَّجَاةِ مِنْ هَذِهِ المُشْكِلَةِ.
قَالَ حُسَامٌ: سَمِيرُ، دَعْنَا نَتَّصِلْ بِالشُّرْطَةِ لِتَحُلَّ المُشْكِلَةَ، فَقَدْ تَكُونُ المَرْأَةُ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ.
وَهُنَا ظَهَرَ بَصِيصٌ مِنَ الأَمَلِ. كَيْفَ لَمْ أُفَكِّرْ بِهِ فِعْلًا؟ قَدْ تَكُونُ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ فِعْلًا، وَأَنَا لَمْ أُفَكِّرْ بِالأَمْرِ بِكُلِّ جِدِّيَّةٍ.
تَوَجَّهَ سَمِيرٌ نَحْوَ المَرْأَةِ العَجُوزِ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ النَّبْضِ مِنْ جِهَةِ اليَدِ، وَفَجْأَةً سَمِعَ أَنِينًا مِنْهَا. فَصَرَخَ سَمِيرٌ قَائِلًا لِحُسَامٍ: إِنَّهَا عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ! دَعْنَا نَذْهَبْ بِهَا إِلَى أَقْرَبِ مُسْتَشْفًى.
وَفِعْلًا تَحَرَّكَا بِسُرْعَةٍ نَحْوَ أَقْرَبِ مُسْتَشْفًى، وَمَا إِنْ وَصَلَا حَتَّى بَدَأَ حُسَامٌ بِالصُّرَاخِ عَلَى حَرَسِ المُسْتَشْفَى: اِجْلِبُوا سَرِيرًا! هُنَاكَ امْرَأَةٌ مُصَابَةٌ بِحَادِثِ سَيَّارَةٍ، أَرْجُوكُمْ.
فَتَحَرَّكَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ المُمَرِّضَاتِ يُصَاحِبُهَا مُعِينٌ يَقِفُ قُرْبَ البَابِ، وَرَجُلٌ يَرْتَدِي بَدْلَةً كَأَنَّهُ طَبِيبٌ، وَتَوَجَّهَ الجَمِيعُ نَحْوَ مَكَانِ فَحْصِ المُصَابِينَ بِحَوَادِثِ الدَّهْسِ.
قَالَتِ المُمَرِّضَةُ: لِيَخْرُجِ الجَمِيعُ فَوْرًا، وَقَالَتْ لِزَمِيلَتِهَا: اُطْلُبِي مِنَ الطَّبِيبَةِ أَسِيلَ أَنْ تَحْضُرَ فَوْرًا إِلَى غُرْفَةِ الطَّوَارِئِ.
فَهَزَّتْ زَمِيلَتُهَا رَأْسَهَا مُعْلِنَةً تَنْفِيذَ الأَمْرِ حَالًا، وَبِخُطُوَاتٍ سَرِيعَةٍ ثَابِتَةٍ تَقَدَّمَتْ أَسِيلُ وَعَلَى كَتِفِهَا سَمَّاعَتُهَا، وَهُنَا بَدَأَتْ بِفَحْصِ المَرْأَةِ العَجُوزِ.
وَبَيْنَ سَاعَاتٍ مِنَ القَلَقِ وَالخَوْفِ دَخَلَ حَارِسُ المُسْتَشْفَى مُتَوَجِّهًا إِلَى حُسَامٍ قَائِلًا لَهُ: أَرْغَبُ بِمَعْلُومَاتٍ عَنِ الحَادِثِ، رَجَاءً.
نَظَرَ إِلَيْهِ حُسَامٌ مُشِيرًا إِلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى مَكَانِ عَمَلِهِ وَيَسِيرَ مَعَهُ وَيُبَلِّغَهُ عَمَّا حَدَثَ.
قَالَ حُسَامٌ: كُنَّا نَسِيرُ أَنَا وَابْنُ خَالَتِي لِنَصِلَ إِلَى أَقْرَبِ كَرَاجٍ لِلسَّيَّارَاتِ لِيَذْهَبَ إِلَى عَمَلِهِ، وَفَجْأَةً سَمِعْنَا ضَرْبَةً قَوِيَّةً هَزَّتْ سَيَّارَتِي، تَرَجَّلْنَا فَوَجَدْنَا المَرْأَةَ.
قَالَ الحَارِسُ: حَسَنًا، الآنَ عَلَيْنَا أَنْ نَخْتَبِرَ دَمَكُمَا.
قَالَ حُسَامٌ: مَاذَا تَقُولُ؟
قَالَ الحَارِسُ: هَذِهِ قَوَانِينُ، يَجِبُ أَنْ تَخْضَعَا لَهَا لِكَشْفِ سَلَامَتِكُمَا مِنْ أَيِّ أَثَرٍ خَارِجِيٍّ.
قَالَ حُسَامٌ: مَاذَا تَقْصِدُ بِأَثَرٍ خَارِجِيٍّ؟
قَالَ الحَارِسُ: أَقْصِدُ المُخَدِّرَاتِ أَوِ الكُحُولَ، عُذْرًا.
وَارْتَفَعَ صَوْتُ حُسَامٍ فِي غُرْفَةِ الِاسْتِعْلَامَاتِ، مِمَّا دَفَعَ بِسَمِيرٍ لِلتَّوَجُّهِ نَحْوَهُ لِمَعْرِفَةِ سَبِ غَضَبِهِ.
قَالَ سَمِيرٌ: مَا بِكَ يَا حُسَامُ؟ لِمَاذَا هَذَا الصُّرَاخُ العَالِي؟
قَالَ حُسَامٌ: يَظُنُّ هَذَا المُوَظَّفُ أَنَّنَا تَعَاطَيْنَا أَحَدَ المُسْكِرَاتِ الَّتِي جَعَلَتْنَا مُغَيَّبِينَ العَقْلِ، وَحَدَثَ مَا حَدَثَ.
قَالَ سَمِيرٌ: هَذَا طَبِيعِيٌّ، فَلِمَ الغَضَبُ؟ هُوَ لَا يَسْتَهِينُ بِنَا، بَلْ يَرْغَبُ بِمَعْرِفَةِ سَبِ الحَادِثِ فَلَا تَنْزَعِجْ يَا عَزِيزِي.
وَتَوَجَّهَ بِبَصَرِهِ نَحْوَ الحَارِسِ قَائِلًا لَهُ: نَحْنُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِأَخْذِ عَيِّنَةٍ مِنْ دِمَائِنَا، تَفَضَّلْ، أَيْنَ تَرْغَبُ أَنْ نَجْلِسَ؟
وَهُنَا نَظَرَ حُسَامٌ إِلَى سَمِيرٍ وَالعَرَقُ يَتَصَبَّبُ مِنْ جَبِينِهِ، وَالخَوْفُ يَسْبِقُ الكَلَامَ، وَهُوَ غَيْرُ مُصَدِّقٍ لِمَا يَحْدُثُ.
نَظَرَ حُسَامٌ بِصَمْتٍ وَعَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ الخَوْفَ وَالفَزَعَ، فَمَا كَانَ مِنْ سَمِيرٍ إِلَّا أَنْ ارْتَبَكَ هُوَ الآخَرُ، فَقَدْ فَهِمَ مَا يَحْدُثُ لِحُسَامٍ، إِنَّهُ تَنَاوَلَ شَيْئًا مَا وَهُوَ خَائِفٌ مِنْ أَنْ يُكْشَفَ سِرُّهُ.
وَبَيْنَ النَّظَرَاتِ وَالتَّفْكِيرِ قَالَ سَمِيرٌ: هَلْ أَكُونُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ يَسْبِقُ ابْنَ خَالَتِي، لِأَنِّي أَرْغَبُ بِمَعْرِفَةِ حَالِ المَرْأَةِ الكَبِيرَةِ؟ فَهَلْ تُسَاعِدُنِي مِنْ فَضْلِكَ؟
وَفِعْلًا تَمَّ لَهُ مَا أَرَادَ، وَبَيْنَ حَرَكَةِ المُمَرِّضَةِ وَذَهَابِ الحَارِسِ تَحَدَّثَ سَمِيرٌ إِلَى ابْنِ خَالَتِهِ قَائِلًا لَهُ: هُنَا فِي جَيْبِي شَرَابٌ يُبْعِدُ أَيَّ أَثَرٍ لِأَيِّ مَحْلُولٍ، خُذْهُ وَاشْرَبْهُ فِي الحَمَّامِ بِسُرْعَةٍ.
وَفِي سُرْعَةِ الصَّوْتِ أَخَذَ حُسَامٌ الدَّوَاءَ وَدَخَلَ الحَمَّامَ، وَشَرِبَهُ بِسُرْعَةٍ، وَهُنَا شَعَرَ بِبَعْضِ الأَوْجَاعِ فِي أَمْعَائِهِ مِمَّا دَفَعَهُ إِلَى تَفْرِيغِ كُلِّ مَا شَرِبَهُ.
وَبَعْدَ الانْتِهَاءِ خَرَجَ مُتَّجِهًا نَحْوَ غُرْفَةِ الِاسْتِعْلَامَاتِ. وَمَا إِنْ دَخَلَ حَتَّى قَالَ لَهُ الحَارِسُ وَالمُمَرِّضَةُ: أَيْنَ كُنْتَ؟ لَقَدْ بَحَثْنَا عَنْكَ.
قَالَ حُسَامٌ: أَلَمْ يُخْبِرْكُمَا سَمِيرُ بِمَكَانِي؟ شَعَرْتُ بِبَعْضِ الوَجَعِ فَذَهَبْتُ إِلَى بَيْتِ الرَّاحَةِ لِأُنْقِذَ نَفْسِي مِنَ الأَلَمِ الشَّدِيدِ.
نَظَرَ سَمِيرٌ إِلَى حُسَامٍ وَالحَدِيثُ بِالعَيْنِ يَطُولُ، فَعَلِمَ أَنَّ الأَمْرَ قَدْ تَمَّ فِعْلًا، وَبَدَأَ الفَحْصُ وَمَرَّتِ السَّاعَاتُ، وَفَجْأَةً ظَهَرَتِ المُمَرِّضَةُ وَهِيَ تَقُولُ لِكِلَيْهِمَا: هَذَا تَقْرِيرُكُمَا، لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ بِكُمَا.
نَظَرَ حُسَامٌ إِلَى سَمِيرٍ مُتَعَجِّبًا مِنَ الخَبَرِ.
السَّاعَةُ الآنَ العَاشِرَةُ صَبَاحًا، وَهَاتِفُ سَمِيرٍ يَرِنُّ عَلَيْهِ.
- مَنْ؟ تَفَضَّلْ.
بِصَوْتٍ خَشِنٍ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ شَخْصِيَّةِ صَاحِبِهِ قَالَ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ يَا سَمِيرُ؟ لَقَدْ تَأَخَّرْتَ كَثِيرًا، أَلَا تَعْلَمُ أَنَّ هُنَاكَ أَعْمَالًا كَثِيرَةً تَنْتَظِرُكَ؟
قَالَ سَمِيرٌ لِلصَّوْتِ: لَقَدْ تَعَرَّضْتُ لِحَادِثٍ وَأَنَا فِي طَرِيقِي إِلَيْكُمْ يَا أُسْتَاذُ، أَعْتَذِرُ مِنْكُمْ وَبِشِدَّةٍ.
قَالَ الصَّوْتُ: مَاذَا؟ وَكَيْفَ حَدَثَ هَذَا؟ وَمَا هُوَ الحَادِثُ؟
قَالَ سَمِيرٌ: لَيْسَ الآنَ رَجَاءً، دَعْنِي أَطْمَئِنُّ عَلَى نَفْسِي وَعَلَى المَرْأَةِ الَّتِي أُصِيبَتْ بِسَيَّارَتِنَا، وَأُخْبِرُكَ بِكُلِّ شَيْءٍ.
فَفَهِمَ صَاحِبُ الصَّوْتِ مَا حَدَثَ لِسَمِيرٍ وَأَقْفَلَ الخَطَّ مُوَدِّعًا إِيَّاهُ بِالسَّلَامَةِ وَالخَيْرِ.
السَّاعَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَالنِّصْفُ، تَقَدَّمَتْ أَسِيلُ بِاتِّجَاهِ سَمِيرٍ قَائِلَةً لَهُ: مَنْ مِنْكُمَا سَمِيرٌ وَمَنْ حُسَامٌ؟
قَالَ سَمِيرٌ: أَنَا سَمِيرٌ، وَهَذَا حُسَامٌ.
قَالَتْ أَسِيلُ: حَسَنًا، أَنْتَ دَمُكَ خَالٍ مِنْ أَيِّ تَأْثِيرٍ، لَكِنَّ حُسَامًا...
قَالَ حُسَامٌ: مَاذَا بِي؟ أَنَا أَيْضًا مِثْلُ سَمِيرٍ، لَمْ أَشْرَبْ شَيْئًا قَطُّ.
نَظَرَتْ أَسِيلُ إِلَى حُسَامٍ وَعَلَامَاتُ التَّعَجُّبِ تُصَاحِبُهَا: يَا أَخِي، لَمْ أَقُلْ إِنَّ فِي دَمِكَ مُخَدِّرَاتٍ أَوْ غَيْرَهَا، أُرِيدُ أَنْ أَتَحَدَّثَ مَعَكَ عَلَى انْفِرَادٍ، مُمْكِنٌ؟
قَالَ سَمِيرٌ: أَنَا مَعَهُ، لَنْ أَتْرُكَهُ أَبَدًا.
قَالَتْ أَسِيلُ: حَسَنًا.
وَسَارَتْ أَسِيلُ بِاتِّجَاهِ غُرْفَتِهَا، أَمَّا سَمِيرٌ وَحُسَامٌ فَلَمْ يَعْرِفَا إِلَى أَيْنَ. وَبَيْنَ خُطُوَاتٍ وَاثِقَةٍ وَأُخْرَى فَزِعَةٍ خَائِفَةٍ طَلَبَتْ مِنْهُمَا الدُّخُولَ، فَعَلِمَ الاثْنَانِ أَنَّ هَذِهِ غُرْفَتُهَا.
وَمَا إِنْ دَخَلَا حَتَّى قَالَتْ لَهُمَا: أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَرَّضْتُمَا لِمَوْقِفٍ صَعْبٍ اليَوْمَ، لَكِنَّنِي أَوَدُّ أَنْ أُخْبِرَكَ يَا حُسَامُ بِأَمْرٍ أَرْجُو أَنْ تَسْتَقْبِلَهُ بِكُلِّ ثِقَةٍ وَرِضًا بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ.
نَظَرَ حُسَامٌ وَسَمِيرٌ إِلَيْهَا بِاسْتِغْرَابٍ وَتَعَجُّبٍ، وَسَادَ الصَّمْتُ قَلِيلًا، وَقَطَعَهُ سَمِيرٌ بِقَوْلِهِ: هَلْ هُنَاكَ خَطْبٌ مَا يَا سَيِّدَتِي؟
قَالَتْ أَسِيلُ: إِنَّ الثَّبَاتَ وَهِدَايَةَ القَلْبِ هُمَا ثَمَرَةُ الإِيمَانِ وَاليَقِينِ بِاللهِ عِنْدَ البَلَاءِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
قَالَ سَمِيرٌ: نَعْلَمُ أَنَّ اللهَ قَدِ ابْتَلَانَا بِهَذِهِ المُصِيبَةِ، وَلَكِنَّ فَرَجَهُ قَرِيبٌ فَهُوَ يَعْلَمُ مَا حَدَثَ فِعْلًا.
قَالَتْ أَسِيلُ: وَنِعْمَ بِاللهِ.
قَالَ حُسَامٌ: هَلْ مَاتَتِ المَرْأَةُ العَجُوزُ؟
قَالَتْ أَسِيلُ: كَلَّا، كَلَّا، بَلْ هِيَ بِخَيْرٍ وَالحَمْدُ للهِ.
قَالَ سَمِيرٌ: مَاذَا إِذًا؟
قَالَتْ أَسِيلُ: حُسَامُ، عِنْدَ فَحْصِ دَمِكَ وَجَدْنَا فِيهِ اللُّوكِيمِيَا.
خَيَّمَ الصَّمْتُ فِي الغُرْفَةِ وَعَمَّ الهُدُوءُ.
وَهُنَا قَالَتْ أَسِيلُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وَهَذَا امْتِحَانٌ لَكُمَا وَلِمَنْ يُحِبُّكُمَا عَلَى الصَّبْرِ وَالقُوَّةِ، فَلَا تَجْزَعَا مِنْ حُكْمِ اللهِ. وَالطِّبُّ قَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرًا فَلَا تَسْتَهِينُوا بِمَا تَطَوَّرَ، وَلَا تَنْسَوْا نِعَمَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَفَضْلَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
نَظَرَ سَمِيرٌ إِلَيْهَا قَائِلًا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
أَمَّا حُسَامٌ فَقَدْ شُلَّ لِسَانُهُ مِنْ هَوْلِ مَا سَمِعَ، وَمَا إِنْ رَأَى سَمِيرُ صَدِيقَ عُمْرِهِ وَابْنَ خَالَتِهِ بِهَذَا الشَّكْلِ حَتَّى بَدَأَ يُدَعِّمُهُ، وَأَوَّلُ الدَّعْمِ حَضَنَهُ بِقُوَّةٍ، وَبَدَأَ يَقْرَأُ آيَاتِ السَّكِينَةِ وَالأَمَانِ عَلَيْهِ.
فَتَفَاجَأَ بِدُمُوعِ حُسَامٍ تَنْهَمِرُ عَلَى قَمِيصِهِ كَأَنَّهَا شَلَالَاتُ مَاءٍ، مِمَّا جَعَلَ أَسِيلَ تَشْعُرُ بِوَجَعِهِ فَبَدَأَتْ عَيْنَاهَا تَغْمُرُهَا الدُّمُوعُ، لَكِنَّهَا تَمَالَكَتْ نَفْسَهَا، فَلَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ ضَعِيفَةً إِلَى هَذَا المُسْتَوَى لِأَنَّهَا سَنَدُ المَرِيضِ بَعْدَ اللهِ.
قَالَ سَمِيرٌ: وَمَا هُوَ العِلَاجُ يَا سَيِّدَتِي؟
قَالَتْ أَسِيلُ: دَعْنَا نُعَالِجُ الأَمْرَ مِنَ الأَسَاسِ، عَلَيْنَا أَنْ نَعْمَلَ تَحَالِيلَنَا كَامِلَةً حَتَّى نَرَى بِأَيِّ اتِّجَاهٍ نَخْطُو. أَوَّلُهَا فُحُوصَاتُ الدَّمِ المَخْبَرِيَّةُ وَخَزَعَاتُ نُخَاعِ العَظْمِ. مَرَضُ السَّرَطَانِ لَيْسَ نِهَايَةَ المَطَافِ، بَلْ هُوَ مَعْرَكَةٌ شُجَاعَةٌ يُمْكِنُ الِانْتِصَارُ فِيهَا. فَلَا تَيْأَسُوا أَبَدًا، إِذْ إِنَّ العَامِلَ النَّفْسِيَّ مِنْ أَهَمِّ عَنَاصِرِ الشِّفَاءِ، وَالكَثِيرُ مِنَ المُصَابِينَ قَدْ مَنَحَهُمُ اللهُ الشِّفَاءَ، لِذَا عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ أَنَّ اللهَ وَحْدَهُ قَادِرٌ عَلَى شِفَائِنَا جَمِيعًا.
قَالَ حُسَامٌ: لَا سَامَحَ اللهُ، وَشُكْرًا لَكِ، أَنَا أُؤْمِنُ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُقَدَّرٌ وَمَكْتُوبٌ، وَالآنَ دَعِينَا نَفْعَلُ مَا يُحَقِّقُ لَنَا الإِنْجَازَ وَالشِّفَاءَ العَاجِلَ بِإِذْنِ اللهِ.
وَبَدَأَتْ خُطُوَاتُهُمْ بِثِقَةٍ بِاللهِ، ظَانِّينَ بِهِ الخَيْرَ دَائِمًا.
وَمَرَّتِ الأَيَّامُ، وَحُسَامٌ يَدْخُلُ مِنْ غُرْفَةٍ إِلَى غُرْفَةٍ، وَبُكَاءُ أُمِّهِ لَا يُفَارِقُهُ، وَحُزْنُ أَبِيهِ عَلَيْهِ. لَكِنَّ سَمِيرًا كَانَ الفَارِسَ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ. فَقَدْ طَلَبَ مِنْ أُمِّ حُسَامٍ وَأَبِيهِ أَنْ يُحَافِظَا عَلَى شَجَاعَتِهِمَا أَوْ يَخْرُجَا مِنَ المَكَانِ، لِأَنَّهُمَا يُسَبِّبَانِ الأَذَى لِابْنِهِمَا، وَإِنْ كَانَا يُحِبَّانِهِ فَعَلَيْهِمَا الصَّبْرُ وَالدُّعَاءُ لَهُ.
فَمَا كَانَ مِنْهُمَا إِلَّا الإِصْغَاءُ وَالِاسْتِمَاعُ لِقَوْلِ العَقْلِ وَالمَنْطِقِ.
وَمَرَّ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرَيْنِ، وَحُسَامٌ بَدَأَ يَظْهَرُ عَلَيْهِ تَعَبُ المَرَضِ، وَعَيْنُ سَمِيرٍ تَرَاهُ وَتَرْعَاهُ وَقَبْلَهُ اللهُ.
السَّاعَةُ الآنَ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ لَيْلًا، وَسَمِيرٌ يُقَدِّمُ إِجَازَةً تِلْوَ الأُخْرَى، وَالدُّعَاءُ لَا يُفَارِقُ لِسَانَهُ. وَبَيْنَمَا هُوَ فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ لِجَلْبِ بَعْضِ الأَدْوِيَةِ رَنَّ هَاتِفُهُ. - مَرْحَبًا، كَيْفَ الحَالُ؟
قَالَ سَمِيرٌ: مَنْ؟
قَالَ الصَّوْتُ: أَعْتَذِرُ مِنْكَ لِلْإِزْعَاجِ، لَكِنَّنِي طَبِيبٌ مِنْ دَوْلَةِ الهِنْدِ، وَقَدْ بَعَثَتْ لِيَ الدُّكْتُورَةُ أَسِيلُ بِأَشِعَّةٍ تَخُصُّ قَرِيبًا لَكَ، وَقَالَتْ: هَذَا رَقْمُكَ، اتَّصِلْ عَلَيْهِ إِنْ وَجَدْتَ عِلَاجًا سَرِيعًا لِلْمَرِيضِ، وَأَنَا اتَّصَلْتُ لِأُخْبِرَكَ بِالعِلَاجِ.
قَالَ سَمِيرٌ: مَاذَا؟ مَاذَا؟ هَلْ تَقُولُ الحَقَّ بِاللهِ عَلَيْكَ؟
قَالَ الطَّبِيبُ: هَذَا الأَمْرُ لَيْسَ فِيهِ مِزَاحٌ بِالتَّأْكِيدِ يَا سَيِّدِي، وَأَنَا أَطْلُبُ مِنْكَ الحُضُورَ مَعَ مَرِيضِكَ إِلَى الهِنْدِ لِتَلَقِّي العِلَاجِ فَوْرًا، فَقَدْ تَمَّ اكْتِشَافُ مَادَّةٍ تَمْحُو أَثَرَ أَيِّ مَرَضٍ لِلسَّرَطَانِ فِي جِسْمِ الإِنْسَانِ.
قَالَ سَمِيرٌ: حَسَنًا، حَسَنًا، لَكِنَّنَا فِي العِرَاقِ تَتَأَخَّرُ الحُجُوزَاتُ لَدَيْنَا.
قَالَ الطَّبِيبُ: كَلَّا، لَقَدْ حَجَزْتُ لَكُمْ مُنْذُ أُسْبُوعَيْنِ، وَالبِطَاقَةُ مَوْجُودَةٌ عِنْدَ د. أَسِيلَ، فَأَرْجُو التَّوَاصُلَ مَعَهَا.
صَمَتَ سَمِيرٌ، وَهُنَا قَالَ الطَّبِيبُ: عُذْرًا، هَلْ أَنْتَ مَعِي؟
قَالَ سَمِيرٌ: نَعَمْ، نَعَمْ، وَشُكْرًا لَكَ، وَأَعْتَذِرُ مِنْكَ. وَوَدَّعَ بَعْضُهُمَا بَعْضًا،
وَسَمِيرٌ يُفَكِّرُ بِأَخْلَاقِ هَذِهِ الطَّبِيبَةِ الَّتِي سَاعَدَتْهُمْ دُونَ أَنْ تَذْكُرَ لَهُمَا الخَبَرَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَتَأَكَّدَ مِنْهُ.
السَّاعَةُ التَّاسِعَةُ صَبَاحًا دَخَلَ سَمِيرٌ إِلَى غُرْفَةِ أَسِيلَ حَامِلًا بَاقَةَ وَرْدٍ لِيُعَبِّرَ عَنْ شُكْرِهِ لَهَا.
وَقَفَتْ أَسِيلُ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى سَمِيرٍ بِكُلِّ احْتِرَامٍ وَتَقْدِيرٍ قَائِلَةً لَهُ: يَا سَمِيرُ، أَنْتَ أَخِي وَاللهِ. أَعْلَمُ أَنَّكَ لَمْ تَتَذَكَّرْنِي، لَكِنَّنِي سَأُخْبِرُكَ بِأَمْرٍ قَدْ تَتَفَاجَأُ مِنْهُ. أَنَا أَسِيلُ، البِنْتُ الَّتِي كَانَتْ تَجْلِسُ بِجَانِبِكَ فِي المَرْحَلَةِ الابْتِدَائِيَّةِ، صَاحِبَةُ الضَّفَائِرِ السَّوْدَاءِ الَّتِي كَانَتْ تُزْعِجُكَ عِنْدَمَا أَكْتُبُ وَأَنْتَ تَكْتُبُ، فَلَا أَجْعَلُكَ تَرَى الأَسْئِلَةَ فَتَدْفَعُهَا بِقُوَّةٍ مُحَاوِلًا الخَلَاصَ مِنْهَا.
نَظَرَ سَمِيرٌ إِلَى أَسِيلَ بَيْنَ ذُهُولٍ وَاسْتِغْرَابٍ. أَكْمَلَتْ أَسِيلُ: وَالآنَ خُذْ هَذِهِ البِطَاقَةَ الخَاصَّةَ بِالسَّفَرِ لَكُمَا، وَانْطَلِقَا تُصْحِبُكُمَا السَّلَامَةُ.
نَظَرَ إِلَيْهَا قَائِلًا لَهَا: رَدُّ الجَمِيلِ لَكِ لَا يَكُونُ بِبَاقَةِ وَرْدٍ، لَكِنَّهَا سَتَكُونُ مُفَاجَأَةً لَكِ كَمَا فَعَلْتِ لِي، وَآخِرُ كَلَامِي الآنَ: أَشْكُرُكِ بِعَدِ مَا تَعْنِيهِ هَذِهِ الكَلِمَةُ مِن مَعَانٍ.
أَخَذَ حُسَامٌ البِطَاقَةَ وَخَرَجَ مُتَّجِهًا نَحْوَ سَمِيرٍ، وَبَيْنَ خُطُوَاتٍ سَرِيعَةٍ بِنَفْسِ سُرْعَةِ اتِّصَالِهِ بِوَالِدِ حُسَامٍ لِيُجَهِّزَ لَهُ حَقِيبَتَهُ وَحَقِيبَةَ حُسَامٍ، وَيَتَّصِلَ بِأَهْلِ سَمِيرٍ لِيُجَهِّزُوا لَهُ حَقِيبَتَهُ أَيْضًا.
وَفِعْلًا تَمَّ الأَمْرُ وَسَافَرَ الثَّلَاثَةُ إِلَى الهِنْدِ. وَمَرَّتِ السَّاعَاتُ، وَمَا إِنْ وَصَلُوا الثَّلَاثَةُ إِلَى المَطَارِ حَتَّى وَجَدُوا سَيَّارَةَ إِسْعَافٍ تَنْتَظِرُهُمْ. وَمَا إِنْ وَصَلُوا بَوَّابَةَ الخُرُوجِ حَتَّى بَدَأَ الجَمِيعُ يَسْتَعِدُّونَ لِإِنْقَاذِ حُسَامٍ.
وَبَيْنَ فَتَرَاتِ اسْتِغْرَاقِ الطَّرِيقِ وَتَجْهِيزِ غُرْفَةِ حُسَامٍ فِي المُسْتَشْفَى لِيَأْخُذَ قِسْطَهُ مِنَ الرَّاحَةِ، بَدَأَ الطَّبِيبُ بِتَحْضِيرِ غُرْفَةِ العَمَلِيَّاتِ بَعْدَ مُرُورِ سَبْعِ سَاعَاتٍ عَلَى حُضُورِ حُسَامٍ. وَدَخَلَ حُسَامٌ مَعَ طَبِيبِهِ، وَالدُّمُوعُ تَغْمُرُ سَمِيرًا وَوَالِدَ حُسَامٍ، وَالقُرْآنُ بَيْنَ يَدَيْهِمَا، مُؤْمِنَيْنِ أَنَّ الِابْتِلَاءَ اخْتِبَارُ اللهِ لِصَبْرِهِمَا، وَمُقْتَنِعَيْنِ أَنَّ الصَّبْرَ مِفْتَاحُ الفَرَجِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى.
وَمَرَّتْ خَمْسُ سَاعَاتٍ، وَحُسَامٌ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَأَنَامِلِ الطَّبِيبِ. وَبَيْنَ نَظَرَاتِ سَمِيرٍ إِلَى السَّمَاءِ وَخُطُوَاتِهِ المُخْتَلِفَةِ شَعَرَ بِصَوْتِ بَابِ غُرْفَةِ العَمَلِيَّاتِ قَدِ انْفَتَحَ، وَظَهَرَ مِنْهُ سَرِيرٌ يَحْمِلُ حُسَامًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِحَالِهِ، وَمِنَ الجَانِبَيْنِ المُمَرِّضَاتُ وَالكَادِرُ المُخْتَصُّ لِلْعَمَلِيَّةِ.
وَهُنَا قَفَزَ سَمِيرٌ بِاتِّجَاهِ الطَّبِيبِ قَائِلًا لَهُ: أَبْشِرْنِي أَرْجُوكَ، مَاذَا حَدَثَ؟
قَالَ الطَّبِيبُ وَهُوَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كَتِفِ سَمِيرٍ: لَقَدِ ابْتَلَاكُمُ اللهُ بِهَذَا المَرَضِ فَصَبَرْتُمْ، فَكَافَأَكُمْ بِنَجَاحِ العَمَلِيَّةِ وَالحَمْدُ للهِ. لَقَدْ تَأَكَّدْنَا مِنْ نَجَاحِ الوَخَزَاتِ إِلَى النُّخَاعِ، وَتَفَاعُلِ المَرَضِ مَعَ الدَّوَاءِ، وَتَمَّ قَتْلُ الخَلَايَا السَّرَطَانِيَّةِ فِي دَمِ حُسَامٍ. لَكِنَّ نَجَاحَ العَمَلِيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا بَعْدَهَا، لِذَا عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ حَذِرِينَ فِي تَعَامُلِنَا مَعَهُ، لِأَنَّ العَامِلَ النَّفْسِيَّ لَهُ دَوْرٌ كَبِيرٌ جِدًّا.
سَكَتَ الاثْنَانِ لِأَنَّ المَنْطِقَ وَالعَقْلَ هُمَا سَيِّدَا المَوْقِفِ الآنَ.
وَمَرَّتِ السَّاعَاتُ كَأَنَّهَا سِنُونَ طِوَالٌ. السَّاعَةُ الآنَ السَّادِسَةُ صَبَاحًا. دَخَلَ الطَّبِيبُ وَمَعَهُ وَالِدُ حُسَامٍ وَسَمِيرٌ، وَبَدَأَ اسْتِيقَاظُ حُسَامٍ.
وَهُنَا بَدَأَتْ عَيْنَا حُسَامٍ تَتَّجِهَانِ لِاكْتِشَافِ المَكَانِ، وَوَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى وَالِدِهِ وَسَمِيرٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا قَائِلًا لَهُمَا: أَيْنَ أَنَا؟ وَلِمَاذَا أَنْتُمَا تَقِفَانِ هُنَا؟ وَمَنْ هَذَا؟ إِنَّهُ يَرْتَدِي زِيَّ الطَّبِيبِ؟
نَظَرَ الاثْنَانِ إِلَى الطَّبِيبِ لَعَلَّهُمَا يَجِدَانِ الجَوَابَ، فَقَالَ الطَّبِيبُ وَاسْمُهُ بِيتْرُ: أَنَا بِيتْرُ طَبِيبُكَ مِنْ هُولَنْدَا، وَأَنْتَ فِي أَرْقَى مُسْتَشْفًى فِي الهِنْدِ.
قَالَ حُسَامٌ: وَلِمَاذَا فِي الهِنْدِ؟
قَالَ بِيتْرُ: لَقَدْ أُصِبْتَ بِمَرَضٍ وَتَمَّ الشِّفَاءُ مِنْهُ بِإِذْنِ اللهِ.
حُسَامٌ يَنْظُرُ إِلَى الطَّبِيبِ بِاسْتِغْرَابٍ وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبْقِيَ عَيْنَيْهِ مَفْتُوحَتَيْنِ، لَكِنَّ جَوَابَ الطَّبِيبِ دَفَعَهُ إِلَى الصُّمُودِ. وَفَجْأَةً تَلَاشَتِ الأَسْئِلَةُ مِنْ فَمِ حُسَامٍ، فَقَدْ نَامَ وَغَرِقَ فِي أَحْلَامِهِ.
وَبَيْنَ الأَحْلَامِ وَالحَقِيقَةِ...
فِي زَمَنٍ قَلَّ فِيهِ العَطَاءُ، ضَرَبْتِ أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ فِي التَّضْحِيَةِ وَالإِيثَارِ. لَقَدْ وَهَبْتِ حَيَاتَكِ وَقَلْبَكِ لِإِنْقَاذِ إِنْسَانَةٍ، فَكُنْتِ البَلْسَمَ لِجُرُوحِهَا وَالشِّرْيَانَ الَّذِي أَعَادَ إِلَيْهَا الحَيَاةَ. دُمْتِ رَمْزًا لِلرَّحْمَةِ، وَسَتَظَلُّ الإِنْسَانِيَّةُ مَدِينَةً لَكِ بِهَذَا المَوْقِفِ العَظِيمِ.
نَظَرَ الاثْنَانِ إِلَى بَعْضِهِمَا البَعْضِ، فَمَا كَانَ مِنْ حُسَامٍ إِلَّا أَنْ تَوَجَّهَ نَحْوَ الحَارِسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ قَائِلًا لَهُ: مَا الَّذِي مَكْتُوبٌ عَلَى بَابِ غُرْفَةِ الدُّكْتُورَةِ أَسِيلَ؟
وَهُنَا اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا الحَارِسِ وَقَالَ لَهُ: أَتَذْكُرُ المَرْأَةَ العَجُوزَ الَّتِي جَلَبْتَهَا أَنْتَ وَالشَّخْصُ الَّذِي مَعَكَ؟
قَالَ سَمِيرٌ: نَعَمْ، مَاذَا بِهَا؟
قَالَ الحَارِسُ: لَقَدِ اشْتَدَّ بِهَا الخَطَرُ بِسَبِ النَّزِيفِ الَّذِي تَعَرَّضَتْ لَهُ، مِمَّا تَطَلَّبَ تَغْيِيرَ قَلْبِهَا.
قَالَ سَمِيرٌ: وَبَعْدُ؟
قَالَ الحَارِسُ: فَمَا كَانَ مِنْ د. أَسِيلَ إِلَّا أَنْ بَحَثَتْ عَنْ قَلْبٍ يُنَاسِبُ هَذِهِ المَرْأَةَ، فَلَمْ تَجِدْ. وَلِحُبِّهَا الشَّدِيدِ لِمِهْنَتِهَا وَلِلنَّاسِ تَبَرَّعَتْ بِقَلْبِهَا لِهَذِهِ المَرْأَةِ الَّتِي هِيَ فِي الأَصْلِ وَالِدَتُهَا.
نَظَرَ الأَبُ وَسَمِيرٌ إِلَى بَعْضِهِمَا وَهُمَا فِي ذُهُولٍ تَامٍّ. مَا هَذِهِ الدُّنْيَا العَجِيبَةُ! وَلِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنَا أَسِيلُ بِالأَمْرِ؟ يَا اللهُ!
وَهُنَا قَالَ وَالِدُ أَسِيلَ لِسَمِيرٍ: لَقَدْ أَثْبَتْ هَذِهِ الطَّبِيبَةُ أَنَّ الإِيثَارَ لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا الأَصِيلُ، وَهِيَ كَذَلِكَ. لَكِنْ قُلْ لِي، مَاذَا نَفْعَلُ لِهَذِهِ الأَصَالَةِ؟
قَالَ سَمِيرٌ: لَقَدْ حَدَّدَ لَنَا اللهُ تَعَالَى الإِجَابَةَ.
قَالَ الأَبُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
قَالَ سَمِيرٌ وَهُوَ يُخْرِجُ مِنْ جَيْبِهِ بِطَاقَةَ الحَجِّ بِاسْمِ د. أَسِيلَ...
نَظَرَ الأَبُ وَالدُّمُوعُ تَنْهَالُ مِنْ خَدِّهِ كَالرَّصَاصِ وَهُوَ يَقُولُ:
لَوْ يَشْتَكِي الجَسَدُ المِعْطَاءُ أَضْنَانِي
لَجَعَلْتُ مِنْ مُهْجَتِي رُوحًا لِتَلْقَانِي
يَا زَهْرَةً ذَبُلَتْ مِنْهَا المَوَاسِمُ
لَا تَبْكِي عَلَى وَجَعٍ أَوْدَى بِأَرْكَانِي
فَلْتَشْهَدِي يَا سَمَا أَنِّي لَهَا كَتِفٌ
إِنْ مَالَتِ الدُّنْيَا أَوْ زَارَ عَدِنَانِي
يَا رَبِّ خُذْ مِنْ عَافِيَتِي، وَهَبْ لَهَا
شِفَاءً يَمْحُو مِنْ جَفْنِي مَا قَدْ بَاتَ يُبْكَانِي
فِدَاكِ عُمْرِي، وَمَا أَمْلِكُ مِنْ يَدِي
فَأَنْتِ بَسْمَةُ رُوحِي، وَأَنْتِ عُنْوَانِي
كُونِي بِخَيْرٍ وَلَا تَخْشَيْ عَلَى وَلَدٍ
يَفْدِي بِرُوحِهِ مَا فِيكِ مِنَ الأَلْحَانِ
معلومات مصدر القصة
الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
تيليجرام
فيسبوك
يوتيوب
انستجرام
تيك توك
ماسنجر
فايبر
بينتيريست
منصة X
ثريدز
تطبيقنا
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.

عزيزي المشاهد لا تترك الموضوع بدون تعليق وتذكر ان تعليقك يدل عليك فلا تقل الا خيرا :: كلمات قليلة تساعدنا على الاستمرار في خدمتكم ادارة الموقع ... ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )