"رسمتُ مستقبلي على ورقة... لكنّ القدر محاه بقلمٍ لا يُخطئ".
كثيراً ما نخطّ لأنفسنا دروباً ونرسم لها نهايةً تُسعد القلب، ثم نكتشف أن الله كتب لنا درباً آخر، ونهايةً أجمل مما تمنيناه.
نقول: "خططتُ واجتهدتُ"، فيردّ علينا القدر: "دبّرتُ وقدّرتُ". فأقدار الله ماضية، وإن عجزت عقولنا عن فهمها.
![]() |
| أقدار الله أقوى من تخطيط البشر الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين |
كثيراً ما أتناقش مع نفسي: هل قدري أنا أحدّده باجتهادي؟ أم أن الله تعالى قدّر لي وأنا في أحشاء أمي رزقي وعُمري وعَملي وشقيٌ أم سعيد؟
وإن سعيتُ باتجاهات مختلفة، وبلغتُ أقطار الأرض وسمائها، فلن يتغير نصيبي من الدنيا. فكل مكتوبٍ آتٍ وإن طال، وإن سعيتُ وركضتُ ركض الوحوش. فقدرك محتوم بقلمٍ كُتب على اللوح المحفوظ، تعلمه الملائكة ونجهله نحن.
*موسى عليه السلام مثال*
ففرعون خطّط لقتل أطفال بني إسرائيل لأنه علم أنه سيُقتل على يد طفلٍ يشبّ فيقضي على ظلمه. وكان هذا موسى عليه السلام. فأوحى الله إلى أمه أن أرضعيه، فإذا خفتِ عليه فألقيه في اليم. فأخذه آل فرعون وعاش في قصر من أراد قتله. ولم يعلم فرعون أن القتل نصيبه، والقاتل هو من احتضنه... هكذا تدبير الله يسبق مكر البشر.
*وقصة نبينا ﷺ*
عندما خطّط أهل قريش أن يقتلوه، فجمعوا له شباباً *ذوي بأسٍ شديد*. لكن الذي حدث هو أمر الله وقضاؤه، فقد خرج نبينا وصاحبه من أمامهم وقد أغشى الله أبصارهم فلم يبصروه. فلو كان قدر الإنسان بيده لما نام الإمام علي كرم الله وجهه في فراش نبينا الكريم. نعم هو اختار الشهادة، لكن هذا الاختيار كان بتقدير الله عز وجل.
*ونحن؟*
نخطط لوظيفة، فيأتينا رزق من باب لم نطرقه.
نرسم طريق سفر، فيغلق الله الطريق... ليفتح لنا طريق نجاة.
نتمنى شخصاً، فيبعده الله عنا رحمةً بنا، لا حرماناً.
كثيراً منا يشعر بالخوف من المستقبل المجهول، ولا يفكر باللحظة التي يعيشها الآن. هل تدوم له؟ وهل تكون هذه اللحظة خيراً له أم ابتلاء؟ فلا نقول شر، لأن الله تعالى يرزق الناس بالخير ويبتليهم بأنواع الرزق.
فقد يكون المال نعمة، لكنها امتحان لما يفعله الإنسان به من خير أو شر. وتكون الصحة نعمة، لكن الله يختبر الإنسان بالمرض ليرى أيجزع أم يصبر. والصبر نفسه نعمة عند البلاء، ليجازي الله من صبر خيراً وفيراً. كما ابتلى الله أيوب، وما كان من نبينا عليه السلام إلا الصبر، فجزاه الله خيراً كثيراً.
فالله لا يضيع عبده، وإن ضاقت به السبل. وما منعه إلا ليعطيه، وما أخّره إلا ليهيئ له الأجمل.
ونحن الآن، وفي كل لحظة وثانية تمر بنا، نشعر أنها لحظاتنا لأننا نتحكم بها بأفعالنا. لكن يظهر لنا حدث يوقظنا من غفلتنا ليثبت أن الحياة بما فيها مقدّرة لنا، واختيارنا منها مقدّر لنا. وبالرغم من أن القرار قرارنا، لكن الأصح هو: أمر الله نافذ لا محالة.
فحسابك لمستقبلك بالقلم والورقة لا ينفع، وتحصين نفسك بآيات كثيرة للحفاظ عليها يقلل القضاء لكن لا يلغيه إلا بأمر منه تعالى. لذا علينا الاستسلام لقضاء الله، فكل ما يمنحه لنا خير. فإن عجّل لنا النعم في الدنيا فهذا خير وفير، أو يؤخره ليحققه لنا بعد الموت، فهي دار البقاء وهي الأهم لأننا باقون فيها دائماً وأبداً. أما الحياة الدنيا فهي دار بلاء وشقاء ليختبرنا فيها.
والكثير منا لا يعلم أن الله يمنحنا في الأقدار: أرزاقنا، آجالنا، أعمالنا، وكل ما يصيبنا من خير أو شر. فقد كتب الله مقادير كل شيء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وجعلها لحكمة بالغة ليختبر إيماننا.
*ويمكن تقسيم ما يمنحنا إياه القدر إلى الجوانب التالية:*
*1. المقادير الحياتية*
الرزق والعمر: كل ما نملكه، وأعمارنا، وأيام حياتنا محددة ومكتوبة.
السعادة والشقاء: ما يؤول إليه حال العبد في الآخرة، وما نمر به من أحداث دنيوية.
*2. العطايا النفسية - أثر الإيمان بالقدر*
الطمأنينة والرضا: يمنح الإيمان بالقدر اليقين بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، مما يزيل الخوف من المستقبل.
الصبر والشكر: القدر يعطي الإنسان الفرصة للتقرب إلى الله؛ ففي البلاء يمنحه "الصبر"، وفي العطاء يمنحه "الشكر".
وهذا ما أكدته الآية القرآنية: *{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]*
وقال سبحانه: *{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22]*
والإنسان مخير ومسير. ففي أمور الحياة والموت مسيّر، أما النجاح والفشل فهو مخيّر لكن بأمر الله تعالى. وهناك قدر معلّق على أشياء يفعلها العبد، سُبق في علم الله أنه يفعلها، كبر الوالدين، وعلى صلة الرحم وغيرها.
*فاطمئن*
لا تحزن إن خالف القدر رغبتك، فربما أراد الله لك خيراً لا تدركه الآن.
سلّم أمرك له، وقل بيقين: "اللهم دبّر لي، فإني لا أُحسن التدبير".
لذا علينا ترك الأمر لله والتفكير بأن كل شيء قادم منه هو خير. وهذا ما أكده الإمام الشافعي رحمه الله:
دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ وَطِبْ نَفْساً إِذَا حَكَمَ القَضَاءُ
وَلَا تَجْزَعْ لِحَادِثَةِ اللَّيَالِي فَمَا لِحَوَادِثِ الدُّنْيَا بَقَاءُ
وَكُنْ رَجُلاً عَلَى الأَهْوَالِ جَلْداً وَشِيمَتُكَ السَّمَاحَةُ وَالوَفَاءُ
فأقدار الله أوسع من أحلامنا، وأرحم من خوفنا، وأصدق من وعودنا لأنفسنا.
معلومات مصدر المقاله
الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
تيليجرام
فيسبوك
يوتيوب
انستجرام
تيك توك
ماسنجر
فايبر
بينتيريست
منصة X
ثريدز
تطبيقنا
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.

عزيزي المشاهد لا تترك الموضوع بدون تعليق وتذكر ان تعليقك يدل عليك فلا تقل الا خيرا :: كلمات قليلة تساعدنا على الاستمرار في خدمتكم ادارة الموقع ... ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )