📁 مشاركات منوعه

قصة اختناق الروح الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

أنا سحر، ابنة الأربعين ربيعاً. وما زلت أخوض معاركي مع الحياة، في سِجالٍ لا ينتهي، لم أختره ولم أتقبله، لكنه فُرض عليَّ فرضاً. لا لأبرهن للناس صلابتي، بل لأنها ابتلاءٌ من ربٍّ بصيرٍ بمكنوناتي، عليمٍ بصدق معدني وأصالتي في انتقاء الأطيب. وليبقى للأجيال أثرٌ ورسالة: إن حياة الإنسان ليست إلا حلبة صراعٍ أزليٍّ بينه وبين الشيطان الرجيم.

قصة اختناق الروح


اختناق الروح الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

منذ الأزل والنفس تنازع نفساً، وسبب النزاع وسواسٌ لعينٌ عرفناه فتناسيناه. وزعمنا أن الإنسان قاتلٌ بطبعه، مذنبٌ بغريزته، ونسينا أن القرآن فضح عدواً توعدنا بالجحيم، واستثنى من سطوته عباد الله المخلصين.
بدأت قصتي حين أطبقت النفس أبوابها، واستحكم اليأس، وضاقت السبل. وكأن القضبان أحاطت بي من كل صوب، فصرخت: أين المخرج؟  
ليست الأثقال ثقيلة، بل كان العبء فوق ما تحتمل الروح. كم انحنيتُ حتى كدتُ أنكسر، وكم سقطتُ ثم نهضتُ أرمم نفسي بنفسي، لأوقن أن للحياة تجدداً، وللمحن نهاية، وللابتلاء حكمة.
فالطيرُ لا يضيق صدره وهو ينتقل بين غصنه وعشه، لأنه حرٌّ طليق، لا قيد يكبله ولا سور يحبسه. يحلق بين السماء والأرض شاهداً على عظمة الخالق، ويترك للبشر خلاصة واحدة: الحرية والكبرياء زاد الروح، وأما الخضوع للظلم والجهل فهما قبرٌ يُحفر للنفس، وإهانةٌ للعقل الذي كرّم الله به الإنسان.
وكم مرة نسيتُ أنني المخاطَبة، وأنا المتكلمة، وأنا السطور! عقلٌ يصارع قلباً، والغالب منهما يخرج ليصارع دنيا مليئة بذئابٍ بشرية. لم يخلقها الله ذئاباً، بل سوّسها الشيطان، وربّاها على الغدر، حتى غدت يده التي يبطش بها بكل تائبٍ ساجد، وكل نفسٍ تأبى الهوى.
هكذا يبدأ: يغوي النفس أولاً، فإذا استكانت انتقل إلى العقل، فإذا ملكه استعبد الإنسان كله.  
فيبقى المرء حرّاً في الظاهر، سجيناً في الباطن، أسير فكرةٍ بذرها إبليس في تربته. كلما قاومت النفس، فتح له باب صراعٍ جديد، حتى يهدم صرح الثقة بالله، ويحبس الروح في متاهة الأفكار، فيغدو العبد سجين وهمه، ورهين وسواسه، وإن لم يُخطئ بيديه.
كم فكرةٍ حسبتها قيداً، والحل كان أقرب إليَّ من نفَسي. وكم مرة ظننتُ الفرج محالاً، فإذا برحمة الله تنهمر بغتة، تذكرني أنه وإن عصيتُ وغفلتُ ويئستُ، فإن نوره لا ينطفئ. فيشرق في القلب بعد ليلٍ طويل، ويعانق الروح المخنوقة، فيبعثها من جديد.
أرأيتِ الطير الذي مات في قفصه وبابه مفتوح؟ مات لأنه توهم السجن. وهكذا الإنسان؛ لا يقتله ظلم الناس بقدر ما تفتكه أوهامه ومتاهات فكره.
ثم يجيء الأمل فجأة، كسيلٍ جارفٍ يهوي على جبلٍ صلد، فيفتت صخوره، ويذيب قسوته، ثم يعود فيجبر كسره. ليس الماء وحده من يكسر الجبال، بل من كان جزءاً منها. فالجبال ما هي إلا ترابٌ وصخرٌ جمعته إرادة الله، فصارت رمز الكبرياء.
وإن كسر النفس لا يكون إلا بغدر قريب، أو جرح حبيب. ولا أعني بالحبيب العاشق، بل كل من سكن القلب وتربع على عرشه: أبٌ، أمٌ، أخٌ، صديقٌ. نمنحهم من المكانة على قدر المحبة، ثم يأتي الغرور، غرورنا أو غرورهم، فيبني بيننا الأسوار. وليس الغرور في المعصية فحسب، بل في الإصرار على الخطأ، وفي التشبث بالرأي كبراً، حتى لا نعترف أن غيرنا قد يُصيب. فيتحول الحوار -وهو نجاة الضعفاء- إلى قضبان سجنٍ أشد إيلاماً.
أي بحرٍ هذا الذي أخوضه في أعماق روحٍ وصفها خالقها بالضعف: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾؟ نفسٌ إذا مسها الضر جزعت، وإذا طال بها البلاء قنطت، ونسيت أن الكون كله، والأقدار كلها، تتقلب بأمر "كن" في طرفة عين.
فسبحان مقلب القلوب! هذا القلب الصغير هو سر الإنسان؛ به يفرح فيطير، وبه ييأس فيسقط، وبه يكفر -نعوذ بالله- وبه يؤمن فيرقى. به تُفتح أبواب السماوات، وبه تُغلق. وما يفسده إلا البعد عن الله.
عندها قررتُ أنا سحر أن أفتش عن منافذ النور. فوجدتُها في بيت الله، حين وقفتُ مساءً في جامع الرحمن، فرأيت الشيخ صالح إماماً يعلم المصلين كيف يتراصون، وكأن كل تسوية صفٍّ عنده مناجاة، وكل وقفةٍ خشوع.
نظرت إليه، ولسان حالي يقول: يا رب، ما سر هذا السلام الذي يغمره؟ أهو قربك، أم دعاء والديه، أم عملٌ أخلص فيه فقربته؟ اللهم اجعلني مثله: نفساً راضية، وروحاً صافية، وقلباً محباً.
وبينما أخواتي يرددن الآيات غافلاتٍ عن معركتي الداخلية، بدأ صوته ينساب كالبلسم. صوتٌ إذا سمعته الملائكة خشعت، وإذا وعته الجبال تصدعت. فأدركت أن الخشوع ليس للصوت، بل للكلمة التي تخرج من عند الله.
فسبحان الله! ما أعجب رسائله! يرسلها في لحظةٍ، لإنسانٍ في لحظة، ليقول له: النجاة بي وحدي.
ولما انتهت الصلاة وانصرف الجمع، تأخرتُ أنا. لا أريد أن أغادر بيت الله. فقالت أختي: "سحر، أغلق الشيخ الأبواب، هيا بنا".  
وكنتُ غارقةً في ملكوتٍ لا يراه إلا من ذاق طعم القرب، في حضرة صوتٍ لو سمعته الدنيا بأسرها لسجدت لله العلي العظيم.
بدأتُ أنظر إلى الشيخ صالح وأنا أفكر: كيف أفاتحه؟ وما الأسئلة التي ألقيها عليه؟ وبين فكرةٍ وفكرةٍ لم أشعر إلا بصوته الدافئ، صوتٍ أخويٍّ مرة، وأبويٍّ مرةً أخرى، لعظمة حنانه. وإذا به يتحدث إليَّ، وبعد السلام والتحية قال لي:
"سكون النفس لا يأتي إلا من الرضا بأمر الله، والقناعة بما يصيبنا منه؛ خيراً كان أم شراً. وما من ابتلاءٍ - لا سمح الله - إلا لحكمةٍ لا يعلمها إلا هو سبحانه. فالقنوط واليأس من رحمته يجلبان الشقاء والانكسار، والتقرب منه يجلب الفرح والسرور. وأنتِ يا أختاه، إن ضاقت بكِ الدنيا بما رحبت، فلا تضيق ببيته الكريم. تحدثي معه ودعي نفسكِ تجول في أركان بيت الله وتطوف مكتشفةً راحتها الأبدية، تاركةً هموم الدنيا لصاحب الدنيا، فإن كل شيءٍ هالكٌ إلا وجهه."
ثم شرع يتلو آياتٍ، فشعرتُ بعدها بالهدوء والسكون، وأيقنتُ أن كل ما أشعر به ما هو إلا همسات الشيطان.
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: 3]  
وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ [يونس: 31]
وما إن سمعتُ هاتين الآيتين حتى ركعتُ خشيةً وتواضعاً لله تعالى. فكيف لنفسٍ أن تحتار وتغوص في الهم، ودلائل عظمة الله الكبرى مطروحةٌ في هاتين الآيتين العظيمتين؟ 
وهكذا سكت الشيخ صالح، وسكتُ أنا، لأنه لا قول بعد قول الله تعالى.
آمنتُ بالله.

قصة من تأليفي مهداة الى اختي الغالية وصديقتي التي لاترغب بذكر اسمها بالتأكيد
معلومات مصدر القصة 

الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
انضم الآن
تيليجرام
انضم الآن
فيسبوك
متابعة
يوتيوب
اشتراك
انستجرام
متابعة
تيك توك
متابعة
ماسنجر
انضم
فايبر
انضم
بينتيريست
متابعة
منصة X
متابعة
ثريدز
متابعة
تطبيقنا
تحميل
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.
تعليقات