في عذوبة الكلمات وهمسات الصباح المليئة بالأمل والتفاؤل، وفي ركنٍ ناءٍ عن الناس، كان "خالد" طالب الصف الأول المتوسط يتلو أعذب الآيات مع جماعته، ناسياً صغر سنه وقلة خبرته، جاعلاً من الركن مكاناً يحاكي الكتاتيب القديمة في تلاوة القرآن.
قصة بلبل صوته أبكى الجبل
وبالرغم من اختلاف طرائق التدريس، كانت طريقته لينة، يمزج فيها الذكر بصياغة الكلمات لإقناع من معه بأن الدين هو أساس الحياة، وأن مخالفة الله تعالى وعصيانه أشد الخسران؛ فبه ننجو، وبه نعلو ونحصد.
وتساءل خالد: كيف السبيل إلى التقرب إليه وتطبيق تعاليمه دون الانجراف وراء الفتاوى الزائفة البعيدة عن شريعة الله وأوامره الحقيقية، كما ذكرها تعالى ونبيه ومن تبعه من أصحابه؟
ظهر خالد أمام الجميع إماماً حكيماً، ممتلئاً بالفرح والسرور، مستنبطاً معلوماته من كتاب الله تعالى. ورغم صغر سنه، فإن ما تعلمه من والديه من حسن التعامل واللباقة من خلال التربية الدينية الصحيحة غير المتشددة، صاغ منه رجلاً رغم صباه، وإماماً رغم صغره.
وبينما كان شيخ الجامع يخطو باتجاهه قائلاً: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا بني"، رد خالد وجماعته: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا شيخنا الجليل، هل من خدمة أقدمها لكم يا مولانا؟".
فقال الشيخ نجيب: "أود أن أعلم منك من أين تعلمت هذه الطريقة الصحيحة في الإلقاء؟ إنها طريقة لا يعرفها إلا علماء الدين الكبار المتمرسون في تلاوة القرآن ومعرفة أحكامه القوية، فهلا أبلغتني عن الأمر يا بني؟".
أجاب خالد: "أنت تعلم يا مولاي أن القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العمراني -رحمه الله- أفضل القضاة والعلماء في بلدنا هذا".
فقال الشيخ نجيب: "نعم".
تابع خالد: "وقد كان له الأثر الطيب لدى الجميع، ومن ضمنهم والدي -رحمه الله- فقد احتذى بسيرته الكريمة واتبع خطواته في تعليمي تلاوة القرآن وأحكامه قبل وفاته، وقد استمرت والدتي في منهج أبي، متخذة من طريقة العلامة أساساً قوياً وسنداً لها، بالإضافة إلى ما منحني إياه رب العالمين من صوت جعلني أتميز -كما وجدتني- والحمد لله. وما صقلته أمي من حبها لهذا المنهج ومن تربيتها التي أقول إن شاء الله السليمة، جعلتني أستطيع أنجز حلقة للدين، مجيباً لكل سؤال بخبرة السنوات وإن كانت قليلة، لكن عقلاً اعتمد على علامة مثل ما ذكرته لك، يجعل الأجيال التي تتبعه قطرة من نهر جارٍ من المعلومات".
نظر الشيخ نجيب إلى كلام خالد محيياً فيه روح التحدي والثقة والالتزام بالخلق والدين.
وهكذا سارت خطوات خالد نحو طريق السلام والنجاة، ومرت الأيام وخالد لا يفارق لسانه كلام الله، ولا نصيحة الشيخ نجيب عقله.
وذات يومٍ وهو يسير بخطى واثقة، إذ تقدمت نحوه مجموعة من لصوص الطريق الخطرين الذين لا يأبهون بسبل الحصول على المال، وفجأةً أخرج كبيرهم سلاحه الأبيض طالباً من خالد إخراج ما في جيبه من مال وأشياء ثمينة.
نظر إليه خالد وقد أصابه الحزن، فظن اللص أنه يأسى على ما سيخسره من الدنيا، لكن خالداً كان حزيناً لأن في مجتمعه مثل هذه النماذج التي لا تفكر إلا في الحصول على المال من وجه حرام، تاركة الحلال الذي بين يديها.
فقال خالد للص: "أنا سأمنحك ما تريد ولكن بشرط!".
فضحك اللص ومن معه قائلاً له: "أتشترط وأنت في موضع الضعف لا القوة!!".
فرد خالد: "ومن قال لك أني في موقف الضعف؟ قد تكون أنت في هذا الموقف ولست أنا".
فضحك اللص ومن معه وقال: "وكيف ذلك؟ أتستطيع أن تثبت لي ذلك؟ أتفق معك بأن أتركك تذهب سالماً دون أن يمسك أحد من هؤلاء، بشرط تثبت لي أني في موقف ضعف لا قوة!!".
فقال خالد: "أرغب أن أغير الاتفاق معك، هل تسمح؟".
رد اللص بضحكة ساخرة: "أقبل، وأنا على استعداد لخوض القتال لتحقيق مطلبك مع أصدقائي".
قال خالد في قناعة وثبات: "حسناً يا أخي".
وهنا ضحك اللص ضحكة استهزاء قائلاً له: "بداية سيئة؛ لو أنا أخوك فأنت لص مثلي".
وهنا نظر إليه خالد مستغلاً هذه اللحظة قائلاً له: "ولما لا تقول بل أنت أخي في الدين والإسلام، ولك حق عليَّ في نصيحتك وخدمتك وإيصالك للطريق الذي ينجيك من عقوبة الله في الدنيا والآخرة".
قال اللص: "اذكر مطلبك وأرحنا من لسانك الذي تحاورنا به، محاولاً استخدام ألفاظٍ مختلفة لتبهرنا من غير قناعة منك ومنا".
وهنا استفز خالد بهذه العبارة، وحاول أن يتصرف تصرفاً يندم عليه طول عمره لولا رحمة الله التي نزلت على قلبه، فجعلته يهدأ ويقول له: "حسناً يا أخي، لي عرض لك: الأول أن تأخذ ما في جيبي من أموال وغيرها أنت ومن معك، ويكون ربحك حراماً وقد يكون قليلاً، أو تأخذ ربحاً دائماً وحلالاً وقد يكون كثيراً، فما تقول؟".
قال اللص: "عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة".
وهنا قال أحد اللصوص: "انتظر يا نبيل، دعنا نرى ما بجعبته من أقوال قد تنفعنا".
انزعج اللص الكبير "نبيل" لأنه شعر بكسب كفة خالد عليه، وهنا سأله نبيل عن الربح في الحلال ليكون هو من كسب كفة الميزان، وبالرغم من فوز خالد رغم عمره الصغير، لكنه استطاع أن يسير الحوار كما أراد، فقدم عرضاً سخياً لهم بتقديم محل كبير بما يحتويه من مواد، يكون باسمهم على أن يكتبوا تعهداً أمام الله أن لا يخوضوا في الحرام.
نظر نبيل إلى عصابته فلاحظ أن الجميع راضٍ كل الرضى للمقترح الذي عرضه عليهم. وحتى لا يخرج الأمر من يديه قال لخالد: "أنت صبي صغير لا يعتمد على كلامك، فهل من المعقول أن تنفذ هذا الكلام وبأي قانون؟".
وهنا قال خالد: "العهد الذي بيني وبينك أمام الله، وأنا مسؤول أن أوفي عهدي وإن كانت رقبتي الثمن، وتستطيع أن تجربني ولن تخسر شيئاً".
قال اللص نبيل: "وكيف أجربك؟".
قال خالد: "تقدم معي وسوف تكون ضيف والدي، وأنا أتعهد لك أن أجلب لك العقد".
لكن نبيل ما إن سمع كلمة "والده" حتى طمع وقال له: "هل والدك غني لهذه الدرجة؟".
خالد: "نعم بفضل الله".
فقال نبيل: "بل خطرت لي فكرة أفضل، ألا وهي أن نخطفك ونطلب فدية عنك كثيرة"، وضحك.
لكن مقولته لم تلقَ استحساناً من الجميع، فقال أحد اللصوص له: "يا نبيل، ألا يكفي السنوات التي عشناها بهم وغم؟ ألا يحق لنا أن نعيش نحن وأهلينا براحة ولو لفترة قصيرة؟".
ومن هنا علم خالد أن الفوز كان من نصيبه.
وهكذا عُقد الاتفاق، وتوجه نبيل مع خالد وخلفهما عصابته حمايةً له. وما إن دخل البيت حتى قدم خالد نبيل إلى والده على أنه رجل أعمال وقد خسر أمواله، وقد اعتبر أعمال اللص السيئة تجارة خاسرة، لكن تفكيره هذا كان بينه وبين الله؛ لأنه لا يرغب أن يعرف والده حقيقة نبيل، لأنه لا يعلم ردة فعله بعدها، ولأنه يعلم محبة والده لعمل الخير فأراد أن يحقق لنبيل الخير في الدنيا والآخرة.
وبعد حوار طويل بين نبيل ووالد خالد، نهض أبو خالد وطلب من ابنه التحدث مع ضيفه لإيجاد الحل، بينما قدم للضيف واجبات الضيافة.
وبعد نقاش بين الأب وابنه، اقترح خالد أن يمنح محل جده الذي أوصى أن يُمنح لأي شخص يشعر خالد بأنه محتاج له، ولعلم والد خالد بحكمة ابنه قرر تنفيذ وصية والده.
وهكذا توجه الاثنان نحو مكان جلوس نبيل، وما إن دخل والد خالد حتى وضع يده فوق كتف نبيل مطمئناً إياه على حل مشاكله.
فتوجه أبو خالد نحو ركن بعيد يحوي منضدة عليها بعض الأوراق، وأخذ ورقة وكتب عليها وقدمها لنبيل.
وما إن رأى الأخير ما فيها حتى بدأت ملامحه تتغير، إذ فتح فمه واغرورقت عيناه بالدمع، لكن خالداً تلاحق له ومسح دموعه قائلاً له: "أنت أخي يا نبيل، بالرغم أنك تسبقني بسنوات كثيرة، لكن أنت أخي والله".
وما كان من نبيل إلا أن قبّل خالداً ووالده، وقبل أن يخرج قال نبيل لخالد: "صدق من قال: رُب أخٍ لم تلده لك أمك. اجعل هذا العمل صدقة جارية لنا جميعاً".
قال خالد له: "آمين يا رب"، ثم ذكر عبارة أخيرة لنبيل: "اجعل هذا العمل صدقة جارية لجدي فاضل، فهو من أوصى أن أمنح هذا الخير لمن يستحق، وأنت خير من يستحق".
نظر إليه نبيل وقد أومأ برأسه شاكراً لهما على خدمتهما العظيمة.
وما إن خرج حتى استقبله جماعته اللصوص سائلين عن صدق خالد، فما كان منه إلا أن أخرج العقد ساجداً لله جل وعلا.
وهكذا بدأت رحلة الخير لنبيل وجماعته، متجهين نحو مستقبل وأقدار جميلة منحها الله لهم من خلال خالد. ومن لحظة فتح المحل بدأ نبيل وجماعته يخرجون بعضاً من الأموال والطعام صدقة جارية على روح فاضل وكل من حوله؛ لكي يكون رداً لمعروف فاضل وأهله. وبدأت مرحلة جديدة من مراحل التوبة والغفران.
وفي صلاةٍ من الصلوات، وبينما خالد يصلي في الجامع، تفاجأ بوجود نبيل وجماعته وهم يجلسون في الصف الأول للصلاة مستعدين خلف إمام الجامع.
ومن هنا عرف خالد أن الله قد أصلح حالهم وتقبل توبتهم، وشكر الله على توبتهم وعلى أن الله جعله سبباً لهدايتهم جميعاً.
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}
معلومات مصدر القصة
الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
تيليجرام
فيسبوك
يوتيوب
انستجرام
تيك توك
ماسنجر
فايبر
بينتيريست
منصة X
ثريدز
تطبيقنا
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.

عزيزي المشاهد لا تترك الموضوع بدون تعليق وتذكر ان تعليقك يدل عليك فلا تقل الا خيرا :: كلمات قليلة تساعدنا على الاستمرار في خدمتكم ادارة الموقع ... ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )