كانت تبدو في مدرسة "بيت الأصالة" كشمعةٍ انتصبت وسطَ طوقٍ من الورودِ السوداء؛ لا السوادُ يغلبُ نورَها، ولا لهيبُها يذيبُ كآبةَ المحيط. هكذا كانت "لهيب"، وردةٌ نضرةُ المحيّا، بسيطةُ الطويّة، واثقةُ الخطوات، في خضمّ الأحداثِ المتأججةِ والحروبِ الضروس. لم تكن تدركْ أنَّ مفاصلَ حياتِها ما هي إلا لحظاتٌ من صعودٍ وهبوطٍ لا تستقرُّ على حال.
وفي صبيحةِ شتاءٍ قارس، كانت "لهيب" -ابنةُ الثلاثينَ ربيعاً- تمضي نحو مدرستها؛ تلك المؤسسةُ التي لم تكن تقبلُ في صفوفِها إلا صفوةَ النُّخبِ ممن اجتازوا اختباراتِها العسيرةَ بامتياز. وما إن اجتازت بوابتَها، حتى تراكضَ التلاميذُ نحوها، فاستقبلتهم بابتسامتِها الوضيئة، ترحبُ بهذا وتُقبّلُ تلك، فإذا بشابٍّ مَهيبٍ، فارعِ القامةِ، عريضِ المنكبين، ذي نظراتٍ ثاقبةٍ تُنبئُ عن مكانةٍ رفيعة، يلوحُ في الأفق.
قصة شمعةٌ في حدادِ الورد تأليف المعلم الجامعي سوسن لطيف
قاطعَ هذا المشهدَ صوتُ المديرِ "حكيم" يزأرُ بغضب: "ما هذا؟ لِمَ هذا التجمهرُ أمامَ غرفةِ الإدارة؟ أما علمتم أنَّ القوانينَ سُنَّت لِتُطاع؟".
رفعت "لهيب" رأسَها في ثباتٍ وقالت: "يا أستاذ حكيم، إنهم أطفالٌ يحتاجون إلى شيءٍ من المرونة؛ يكدحون في نضالٍ دراسيٍّ شاقّ، فلا تجعلنا -نحنُ- عبئاً يُضافُ إلى أعبائهم".
نظرَ إليها وقد تملَّكه الغضبُ، وقال بلهجةٍ حادة: "لا حاجةَ لي بمواعظكِ لتنصبي من نفسِكِ نصيرةً للضعفاء، فنحنُ أعلمُ باختيارِ الطرائقِ الأمثلِ لتطويرِ تعليمِ أبنِائنا!".
طلبَ حكيم من التلاميذِ التوجهَ نحو صفوفِهم، ثم أشارَ إلى لهيبِ باللحاقِ به إلى الإدارة. دخلت لهيبُ بخطواتٍ واثقةٍ، وسلمت بوقار، ووقفت تنتظرُ تعليماتِ مديرِها السابق "خالد". نظرَ إليها خالدٌ، وسلّم عليها بودٍّ وأشارَ لها بالجلوس، ثم قال بوقار: "نحن نعلمُ أنَّ مدرستَنا قد رُزقت بكادرٍ خلوقٍ وعالمٍ يُشرّفُنا الحوارُ معها، لكننا لا نرغبُ أن تكوني دائماً محورَ الحديثِ والصورة، فالعدالةُ واجبةٌ، خشيةَ أن يتسللَ الحقدُ بين أعضاءِ الكادر".
نظرت إليه بعقلٍ راجحٍ وقالت: "أشكرُ لكَ رقيَّكَ وحسنَ ظنكَ يا أستاذ خالد، لكنَّ الحفاظَ على هذا الرقيِّ لا يكونُ بالضغطِ على المبدعين خوفاً من الآخرين. فالمكانُ واسعٌ، ولكلِّ فردٍ الحقُّ في المبارزةِ بسلاحِ العلمِ والكلمة؛ فالقلمُ سيفٌ ضدَّ الجهلِ والظلم، والكلمةُ أقوى الأسلحة. أمّا ما ذُكرَ من أذيةِ الآخرين، فهذا ظلمٌ لي؛ فأنا لا أسعى إلا للتعاونِ وإظهارِ صورةٍ تليقُ بأصالةِ مدرستِنا".
تدخّلَ حكيمُ مقاطعاً: "ومن يضمنُ أنَّ سياستكِ تناسبُ الجميع؟ إنَّ أسلوبكِ هذا انتهاكٌ لحقوقِ الزمالة".
ردَّ خالدُ بحزم: "يا أستاذ حكيم، لا تقفْ على كلمة، فهي لم تقصد إلا طرحَ أفكارِها؛ فكثرةُ الخططِ تمهدُ لنا اختيارَ الأفضل، فلا تضيقْ عليها، بل كن عوناً لها". شكرَ خالدٌ لهيباً، وأنهى حديثَه بعبارة: "بابي مفتوحٌ لكِ ولِكلِّ مَن يبتغي التطور".
خرجت لهيبُ وعلى كتفيها "نوطُ شجاعةٍ" من كلماتِ مديرِها المنصف. أما حكيمُ، فقد بدأ يخططُ لإخراجِها بطريقةٍ مخزية، متناسياً عدلَ الله. ومرت الأيامُ ولهيبٌ تزدادُ اجتهاداً، وأصبحت -رغمَ عطرِها- محطَّ أنظارِ الحاقدين كشمعةٍ وسطَ ورودٍ دموية؛ تحملُ جمالاً وعمقاً في باطنِها، لكنَّ قتامتها تخفي أشواكاً تؤذي مَن يتقربُ منها لمصالحِهِ الشخصية.
ومن رحمِ هذا الحقدِ وُلدت "نرجس"، الذراعُ اليمنى لحكيم. وفي صباحٍ يومٍ تالٍ، قالت نرجسُ للكادرِ بخبث: "سمعتُ أنَّ حركةَ تدويرٍ إداريّةٍ قد اتُخِذت، وأنَّ الأستاذ خالد مغادرٌ". سألت ضمياءُ: "ومن البديل؟". نظرت نرجسُ إلى لهيبِ بشماتة: "إنه الأستاذ حكيم!".
ردت لهيبُ بهدوء: "الأستاذ خالد كفاءةٌ تستحقُ الأفضل، ولن يخذلَه الله".
انتفضت نرجسُ: "ماذا تقصدين؟ هل الأستاذ حكيم لا يستحقُ المنصب؟".
قالت لهيبُ بصرامة: "لم أتحدثْ عن الأستاذ حكيم، أنا أتحدثُ عن الأستاذ خالد، فلا تؤولِي كلامي لما تشتهين".
وفي خضمِّ هذا الشدِّ والجذب، دخلت "سعادُ" متهللةً: "لهيب، مديرُ مكتبِ الوزيرِ ينتظرُكِ في غرفةِ المديرِ ويطلبُ حضورَكِ فوراً!".
دخلت لهيبُ الغرفةَ، فإذا بشابٍّ أشقرَ مهيبِ الطلعةِ، يحيطُ به رجالٌ لا يقلّون عنه هيبةً ووقاراً. وما إن وقعت عيناهُ عليها حتى وقفَ لها احتراماً، في مشهدٍ أذهلَ الحاضرين وأربكَ حكيمَ الذي تجمدت أنفاسُه في صدره.
مدّت لهيبُ يدَها بوقار، وقالت: (تشرفتُ بكَ سيدي). أجاب الشابُ -عصامُ، مديرُ مكتبِ الوزير-: (تفضلي سيدتي). وبلا مقدماتٍ، أردفَ بابتسامةٍ واثقة: (لقد وقعَ الاختيارُ عليكِ لتولي إدارةَ مدرسةِ "بيت الأصالة"، أو الانطلاقِ نحو منصبِ مديرِ عامِّ التربية، بعد ترشيحِكِ من قِبل الأستاذ خالد).
ساد صمتٌ ثقيلٌ في الغرفة، كان "حكيم" خلاله يعيشُ صراعاً مرعباً بين خوفِه من ضياعِ الكرسيِّ الزائلِ، وذعرِه من ارتقاءِ مَن كان يراها خصماً.
بثباتٍ لا يعرفُ الارتجافَ، التفتت لهيبُ نحو "حكيم" وقالت بصوتٍ مسموعٍ نديّ: (سيدي، مع كاملِ تقديري لهذا الاختيارِ الذي أعتزُّ به، فإنني أتنازلُ عنه وأرشحُ الأستاذ حكيم -معاوننا الفاضل- لهذا التكليف؛ فنجاحُ هذه المدرسةِ كان ثمرةَ قيادةِ الأستاذ خالد ومتابعةِ الأستاذ حكيم).
وقعَ الخبرُ على مسامعِ الحاضرين كالصاعقة؛ خالدٌ نظرَ إليها بعينِ التقديرِ والإجلال، أما حكيمُ، فقد تملّكه ذهولٌ قاتل. لقد أدركَ في تلك اللحظةِ أنَّ لهيبَ لم تمنحْه منصباً، بل وضعتْه تحتَ مجهرِ المسؤوليةِ التي لا يملكُ أدواتِها، وأحرجتْه أمامَ نفسه وأمامَ الوزارةِ بـ"نبلٍ" لا قبلَ له به.
بينما كانت نرجسُ في الخارجِ تترنحُ بين الغضبِ والجهلِ، كان حكيمُ في غرفتِه يتمزقُ ويترنحُ وحده، يعتصرُه الذهولُ من فخِّ لهيبِ النبيل، وهو يدركُ أنه وقعَ في شرِّ أعمالِه وظنَّ أنه انتصر.
وما إن استأذنت لهيبُ بالمغادرةِ، وهي تترك خلفها ذهولاً وأسئلةً لا تنتهي، حتى بدأت الهمساتُ تعلو في أروقة المدرسة. توجهت "نرجس" بخطواتٍ متسارعةٍ نحو غرفة المدرسات، تراقبُ "لهيب" بنظراتٍ مسمومة، ثم ما لبثت أن استلت هاتفها واتصلت بـ "حكيم" الذي كان قد انسحبَ بدوره إلى مكتبه.
بصوتٍ منخفضٍ ومضطرب، قالت نرجس: (أستاذ حكيم، الأمرُ ليس كما توقعنا.. الجميع هنا يتحدثون عن ترشيحها لإدارة المدرسة أو لمنصب المدير العام! يجب أن نتحدث فوراً).
ردَّ حكيمُ بحدة: (أنا في غرفتي، تعالي الآن!).
دخلت نرجسُ الغرفةَ، كان حكيمُ يجوبُ المكان ذهاباً وإياباً كوحشٍ في قفص، والغضبُ يعتصرُ ملامحه. وما إن رأت تعابير وجهه، حتى سألته بقلق: (ماذا حدث؟ لقد وقعنا في شر أعمالنا، ففي كلتا الحالتين نحن من سيهزم أمامها! لقد استطاعت بكلماتها القليلة أن تنال إعجاب الجميع، وعلى رأسهم السيد عصام).
سألت نرجس بذهول: (وكيف ذلك؟ وماذا دار بينكم في الداخل؟).
رد حكيم بحدة: (لقد تنازلت عن المنصب بكل ثقةٍ وبرود، ورشحتني أنا مديراً لهذه المدرسة! هل تدركين حجم الفخ؟).
هنا، صفقت نرجسُ بقوةٍ فرحةً -ظناً منها أن هذا انتصار- وقالت: (وهل هذا يزعجك؟ بالعكس! إنه شيءٌ مميز أنت تستحقه فعلاً، وإن كان ترشيحاً من عدو، فهو دليل نجاحك لا فشلك!).
نظر إليها حكيمُ بنظرةِ احتقارٍ لعقلها السطحي، وقال: (لهذا السبب هي تنتصر؛ لأنها تملكُ عقلاً لا تملكين أنتِ جزءاً منه! ألا تفهمين؟ إنَّ تنازلها وترشيحها لي جعلها الأقربَ للمنصبين في نظر الوزارة؛ فهي القائدةُ التي تترفعُ عن الضغينة. هي لا تفكرُ بكرسيٍّ يزول، بل تفكرُ بأن تكون صاحبةَ نفوذٍ أعلى. لقد وضعتْنا في زاويةٍ لا مخرجَ منها).
بعد أن غادرت لهيبُ الغرفة، أطبقتِ الحيرةُ على "حكيم" كأنها القيد، لكنَّ طموحَه غلبَ خوفَه. فوافقت الوزارةُ على تنازل لهيب وترشيحها للأستاذ حكيم، وأقرّت تعيينه مديراً للمدرسة تكريماً لشهادتها به، بينما ظلت "لهيب" -بذكاءٍ- ترفضُ الانشغالَ بالصغائر، منصبّةً كلَّ تركيزِها على مشروعِها الذي سيغيرُ وجهَ التربية: "روبوت المشاعر".
في مكتبِها، كانت "لهيب" تعكفُ على تطويرِ هذا الجهازِ الثوري، الذي صُمّم ليقرأَ خلجاتِ الطفل، ويكشفَ عن لحظاتِ انكسارهِ وحزنهِ الدفين، ثم يتدخلَ ليضحكَه، يعالجَ صدماتِه، ويبنيَ شتاتَ روحِه بمساعدةِ الكادرِ التربوي.
في أحدِ الأيام، دخلَ "حكيم" عليها، وقد خلعَ ثوبَ المديرِ القاسي، وارتدى قناعاً جديداً. أغلقَ بابَ المكتبِ بهدوء، ونظرَ إلى الجهازِ المبهرِ ثم إليها، وقال بنبرةٍ خافتةٍ مشحونةٍ بالادعاء:
(لهيب.. لقد فكرتُ كثيراً. نجاحُكِ في تطويرِ هذا الابتكارِ جعلني أدركُ أنَّ عداءي السابقَ لم يكن سوى غيرةٍ من ذكاءٍ لا أملكه. الحقيقةُ أنَّ إعجابي بكِ كان دائماً خلفَ قناعي الصارم).
نظرت لهيبُ إلى عينيه، فرأت فيهما بريقاً زائداً لا يمتُّ للصدقِ بصلة، بل هو مكرٌ يرتدي ثوبَ الحب. أدركتْ أنَّ معركتَها انتقلت من سلاحِ "السلطة" إلى سلاحِ "العاطفة المسمومة". كانت تعلمُ أنَّ خلفَ هذا الإلحاحِ رغبةً في الاستحواذِ والانتقام، لكنها قررت أن تسايرَ اللعبة.
وفي الزاويةِ البعيدةِ من الممر، كانت "نرجسُ" تراقبُ المشهدَ من خلفِ البابِ الموارب، ويدُها تعصرُ هاتفَها بقوة، وعيناها تشتعلانِ بلهيبِ غيرةٍ لا ترحم. لقد أدركت "نرجس" أنَّ "حكيم" لم يعد يخططُ لتدميرِ "لهيب" فحسب، بل بدأ يغرقُ في لعبتِه الخاصة، وهو ما يعني أنَّ "نرجس" باتت خارجَ حساباتِه.
همست نرجسُ لنفسِها بحقد: (ظننتُك ستقضي عليها يا حكيم، لكنك وقعتَ في فخِ جمالِها وعقلِها.. لن أسمحَ لكما بالانتصار!).
بينما كانت لهيبُ -وهي تراقبُ "روبوت المشاعر" يومضُ بضوءٍ خافتٍ كأنه نبضُ قلبِ طفلٍ حزين- تبتسمُ في سرّها، فهي الآن تملكُ جهازاً يكشفُ مشاعرَ الأطفال، وتملكُ بصيرةً تكشفُ خبايا النفوسِ المريضة.
دخلت "نرجس" مكتبَ "حكيم" وأغلقت البابَ خلفها بإحكام، ثم رمت ملفاً على الطاولةِ وقالت بنبرةٍ لا تخلو من تهديد: (أستاذ حكيم، لقد حفرنا معاً خندقاً لإسقاط لهيب، وجمعتُ لكَ من الأوراقِ والمستنداتِ ما يكفي لإنهائها إدارياً.. لقد حان الوقتُ لتفيَ بوعدك؛ أطالبُ بمنصبِ المعاونةِ الآن، فقد أصبحَ وجودي في هذا المركزِ ضرورةً لاستكمالِ مخطّنا).
تغيرت ملامحُ "حكيم"، وثارَ كبركانٍ خامدٍ، ففتح البابَ على مصراعيه وصرخَ أمامَ الكادرِ المذهول: (أنتِ مطرودةٌ من مكتبي! بل سأرفعُ للوزارةِ طلباً بفصلكِ نهائياً بتهمةِ الابتزازِ والرشوةِ للحصولِ على منصب!).
لم تتراجع "نرجس"، بل ابتسمت ببرودٍ وقالت بصوتٍ مسموعٍ للجميع: (أنت تهددني بالطرد من مكتبك فقط يا أستاذ حكيم، أما وظيفتي فهي محميةٌ بقانونِ الوزارة، ولن تستطيعَ المساسَ بي إلا بقرارٍ وزاريٍّ يستندُ إلى إثباتٍ قانونيٍّ صلب، وأنت تعلمُ أنَّ أيَّ تحقيقٍ ستفتحُه سيعودُ عليكَ بالوبالِ قبل أن يمسَّني؛ فكلُّ الأوراقِ والمستنداتِ التي تورطتَ بها لإيقاعِ لهيب معي، أصبحت في مكانٍ أمينٍ.. هل تريد حقاً أن نفتحَ الملفاتِ الآن أمام الجميع؟).
في تلك اللحظة، تدخلت "لهيب" بهدوئها المعتاد، ووقفت بين الطرفين وقالت بحزم: (كفى! أستاذ حكيم، الابتزازُ سلوكٌ مرفوضٌ ومحاسبتُه من اختصاصِ القانون، لكنَّ الطردَ العشوائيَّ ليس حلاً. نرجسُ أخطأت، ولتكن هذهِ آخرَ مرةٍ، دعنا نحلَّ الأمرَ داخلياً، فالمدرسةُ لا تتحملُ المزيدَ من الفضائح).
نظر إليها "حكيم" بذهول؛ كيف تنقذه مجدداً وهي التي حفر لها المكائد بمستنداتها التي تحمل نرجس الآن أسرارها؟ لم يدرِ أن لهيب لم تفعل ذلك حباً فيه، بل لأنها أرادت أن تُشعره "بالخزي الأخلاقي"؛ أرادت أن تمنحه فرصةً ليكون نسخةً ثانيةً من الأستاذ خالد، لعلَّ في قلبه بقيةً من خير. ومنحتك الفرصة لا لأجلك، بل لأجل التلاميذ الذين سيكملون معك الطريق.
بعد أن تفرق الكادرُ، دخلت لهيبُ مكتبَ حكيم، الذي كان يرتجفُ غضباً وعجزاً. نظرت إليه بعينِ لا تعرفانِ الانكسارَ وقالت: (أنقذتُكَ لا لأنني أثقُ بك، بل لأنني أريدُ أن أرى فيك أثراً من نبلِ الأستاذ خالد. لقد أعطيتُك الفرصةَ لتكون مديراً حقياً، فهل ستختارُ البناءَ أم ستستمرُّ في غيِّك؟).
خرجت لهيبُ تاركةً حكيمَ في صمتٍ مريب. كان "روبوت المشاعر" في مكتبها يومضُ بضوءٍ أحمر، كأنه يقرأُ تضاربَ المشاعرِ في قلبِ حكيم؛ فهو يعلمُ أنها أنقذت حياتَه المهنية من مواجهةٍ خاسرةٍ مع الوزارة، لكنَّ كبرياءه المريضَ يدفعه للحقدِ أكثر. لقد أدرك -بكلِّ مرارة- أنه في نظر الجميع قد صار "مديناً" لعدوته الأولى.
بينما كان "حكيم" يحاولُ جاهداً استعادةَ ثقة "لهيب" متظاهراً بالامتنانِ والحب، كانت لهيبُ تحلقُ بعيداً؛ ومرت الشهور ولهيب تعكف على تقديم فكرة "روبوت المشاعر" للوزارة، ولأن الإبداعَ لا يختبئ، انتشرَ صدى الابتكارِ عالمياً، وتسابقت كبرى الشركاتِ لتصميمِه، لكنَّ "لهيب" -بقلبِها الذي ينبضُ بحبِّ العراق- رفضت كلَّ الإغراءاتِ الأجنبية، مؤكدةً أنَّ ولاءَها لأطفالِ بلدِها أولاً وأخيراً.
في هذه الأثناء، كان الصراعُ الخفيُّ بين "حكيم" و"نرجس" قد وصل إلى نقطةِ الغليان. لم يعد حكيمُ يحتملُ وجودَ شريكٍ يعرفُ أسرارَ مؤامراته، فقررَ إنهاءَ الأمرِ بنفسِه. ذهبَ إلى بيت "نرجس" في ليلةٍ عاصفة، ظناً منه أنَّه سيستعيدُ "الملفاتِ السوداء" ويطوي صفحةَ تهديدِها للأبد.
في غرفةِ المعيشة، احتدمَ النقاشُ بينهما، وارتفعت الأصواتُ. قالت نرجسُ بتحدٍّ: (لن تأخذَ الأوراقَ يا حكيم، هي ورقةُ ضماني الوحيدة ضدَّ غدرك).
لم يتمالك "حكيم" أعصابَه، واستلَّ مسدسه من بين طياتِ ملابسِه، مهدداً إياها. حدث ما لم يكن في الحسبان؛ ففي لحظةِ صراعٍ مميتةٍ على السلاح، انطلقت رصاصةٌ غادرة، لتسقط "نرجس" جثةً هامدة، ويجدُ "حكيم" نفسَه أمامَ مأساةٍ لا مفرَّ منها، حيثُ انتهت حياتُه المهنيةُ والأخلاقيةُ في تلك اللحظةِ المظلمة.
وعلى الجانبِ الآخر، كان المشهدُ مختلفاً تماماً؛ ففي قاعةِ الاحتفالاتِ الكبرى، كان الجميعُ يقفون إجلالاً لـ "لهيب". وسطَ تصفيقِ كبارِ المسؤولين والعلماء، تمَّ تكريمُها كـ "أعظمِ عالمةٍ تربويةٍ في العراق".
لقد انتقمَ اللهُ لـ "لهيب" مرتين:
الأولى: حينَ حوّلَ مشروعَها من فكرةٍ بسيطةٍ إلى منارةٍ عالمية، مُثبتاً أنَّ الطيبةَ والعملَ الصادقَ لا يضيعان.
والثانية: حينَ كفى اللهُ المؤمنين شرَّ القتالِ، إذ تكفلَ الظالمون بإنهاءِ بعضِهم بعضاً، ليموتَ الحقدُ في مهدِه، وتستمرَّ "الشمعةُ" في إضاءةِ دروبِ أطفالِ العراق.
بكت "لهيب" في تلك اللحظة، لا فرحاً بالمنصب، بل امتناناً لعدالةِ القدر؛ فقد أدركت أنَّ كلَّ وردةٍ تحاولُ التخلصَ من شوكِها، لا تحتاجُ إلا إلى قليلٍ من الصبر، وكثيرٍ من نورِ العلمِ والكلمة.
ببصمةُ عهدٍ ظهر المختبرَ في ساعةِ الغسق؛ ضوءٌ خافتٌ ينسابُ من النافذةِ ليحتضنَ طاولةَ العمل. في المركز، تقفُ شمعةٌ واحدةٌ مشتعلة، تذوبُ ببطءٍ وسطَ باقةٍ من الورودِ الحمراءِ القاتمةِ التي تبدو كأنها مخملٌ دامٍ، تماماً كما في تلك اللوحةِ التي ترمزُ للذكرى.
إلى جانبِ الشمعة، يبرزُ 'روبوت المشاعر' بهيكلٍ يمزجُ بين الحداثةِ والزخارفِ العربيةِ العراقيةِ الأصيلة. فجأةً، تتقدمُ يدُ 'لهيب'، بشرتُها تلمعُ تحتَ ضوءِ الشمعة، لتستقرَّ أصابعُها على لوحةِ التحكمِ في صدرِ الروبوت. في تلك اللحظة، لا يلمسُ معدنُ يدِها الجلدَ الصناعيَّ فحسب، بل تنبثقُ من لمستِها بصمةٌ رقميةٌ متوهجة، خيوطٌ من ضوءٍ أزرقَ سماويٍّ تنسابُ من أطرافِ أصابعِها لتتغلغلَ في شفرةِ الروبوت، معلنةً بدءَ نبضِ المشاعرِ فيه.
الشمعةُ ترتجف، والورودُ المحيطةُ بها تبدو وكأنها تنحني إجلالاً لهذا العهدِ التقنيّ. إنها اللحظةُ التي تتحولُ فيها الآلةُ من مجردِ حديدٍ وبرمجة، إلى كائنٍ يحملُ روحَ 'لهيب' وبصمةَ إخلاصِها."
معلومات مصدر القصة
الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
تيليجرام
فيسبوك
يوتيوب
انستجرام
تيك توك
ماسنجر
فايبر
بينتيريست
منصة X
ثريدز
تطبيقنا
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.

عزيزي المشاهد لا تترك الموضوع بدون تعليق وتذكر ان تعليقك يدل عليك فلا تقل الا خيرا :: كلمات قليلة تساعدنا على الاستمرار في خدمتكم ادارة الموقع ... ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )