📁 مشاركات منوعه

قصة برود الحق وحرارة الإثم الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

برود الحق وحرارة الإثم قصة قصيرة تأليف سوسن لطيف إهداء إلى الأستاذة سرور ياسين معاونة ثانوية قتيبة بن مسلم الباهلي في العامرية
تقديرًا لعطائكم التربوي، وإخلاصكم في أداء رسالتكم، وحرصكم الدائم على غرس القيم النبيلة في نفوس الطلبة.
أهديكم هذا العمل المتواضع، راجيةً أن يكون لبنةً تُسهم في ترسيخ قيم برِّ الوالدين، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وأن ينال استحسانكم. مع خالص التقدير والاحترام

قصة برود الحق وحرارة 



المقدمة
ليست كلُّ البيوت التي تهدمها الحروب تُبنى من جديد؛ فبعضها تهدمه كلمة، وبعضها تقطعه قطيعةُ رحم، وبعضها يطفئ نوره ابنٌ ضلَّ الطريق. وقد يظن الإنسان أن القوة في التمرد، وأن المال يعوض كل خسارة، لكنه لا يدرك أن أعظم الخسائر هي خسارة الوالدين، وأن أقسى الندم هو الذي يأتي بعد فوات الأوان.
وهذه حكاية بيتٍ أطفأه الجحود، ثم ترك للأجيال درسًا لا يُنسى في برِّ الوالدين، وصلة الرحم، وعاقبة سوء الاختيار.
الجزء الأول
في عالمٍ تتشابك فيه المصالح، وتختلط فيه الأصوات بين الحق والباطل، حتى أصبح بعض الناس يلوون أعناق النصوص الدينية لتوافق أهواءهم، عاش سفيان وزوجته حياةً بسيطةً قوامها الإيمان والمحبة، ورُزقا بثلاث بنات هن: زهرة، ونرجس، وعدوية، ثم جاء بعد سنواتٍ ولدٌ طال انتظاره، فأسمياه ليث.
كان ليث أصغر أفراد الأسرة، وأقربهم إلى قلب والديه، فأحاطاه بعنايةٍ فائقة، ولم يبخلا عليه بحنانٍ أو نصيحة. وكانت الأم تردد وهي تضم أبناءها:
«ما دام بينكم الحب وصلة الرحم، فلن تفرقكم الدنيا مهما اشتدت.»
نشأ ليث طفلًا مهذبًا، يحفظ شيئًا من القرآن الكريم، ويؤدي صلاته مع والده، ويجلس إلى أخواته يساعدهن في شؤون البيت، حتى كان كل من يعرفه يثني على حسن خلقه.
لكن مع انتقاله إلى مرحلة الشباب، بدأت حياته تتغير شيئًا فشيئًا.
تعرّف إلى رفقةٍ سيئة، كانوا يسخرون من كل قيمة، ويستهزئون بالنصح، ويزينون له التمرد على أسرته، ويقنعونه بأن الحرية تعني التخلص من كل قيدٍ ديني أو أخلاقي.
في البداية كان مترددًا، ثم أخذ يستجيب لهم شيئًا بعد آخر.
صار يتأخر خارج المنزل، ثم ترك الصلاة، ثم أصبح يرفع صوته على والديه، ويستهين بنصائحهما، حتى تبدلت أخلاقه تبدلًا كبيرًا.
حاول الأب مرارًا أن يحتويه بالحكمة، وقال له ذات ليلة:
ـ يا بني، الإنسان لا يُقاس بعدد أصدقائه، وإنما بمن يقوده إلى الخير.
لكن ليث أجاب ببرود:
ـ لقد كبرت يا أبي، ولم أعد بحاجة إلى من يقرر عني كيف أعيش.
أما أمه، فكانت ترفع يديها إلى السماء كل ليلة، وتدعو له بالهداية، وتبكي بصمت حتى لا يشعر أحد بألمها.
ومع مرور الأيام، ازداد ليث عنادًا، ولم يكتفِ برفض النصح، بل أصبح يستهزئ بكل من يخالف أفكاره، حتى صار وجوده داخل البيت مصدر خوف على أخواته، لا خشية أذى جسدي، وإنما خوفًا من أن يتأثرن بأفكاره وكلماته.
اجتمع الأب مع زوجته بعد ليلةٍ عصيبة، فقال بحزن:
ـ لقد حاولنا بكل وسيلة، ولكنني أخشى على أخواته أكثر مما أخشى عليه.
أطرقت الأم طويلًا، ثم قالت والدموع تملأ عينيها:
ـ ليخرج من البيت... لكن لا يخرج من دعائنا. سيبقى ابننا مهما ابتعد.
يتبع في الجزء الثاني...الجزء الثاني
مضت الأيام ثقيلةً على البيت بعد رحيل ليث.
لم يعد صوته يُسمع في أرجاء المنزل، ولم تعد أمه تضع له الطعام كما كانت تفعل، لكن قلبها بقي ينتظر عودته في كل مساء.
كانت تقف عند النافذة كلما سمعت وقع خطواتٍ في الشارع، ثم تعود إلى غرفتها وهي تردد:
ـ اللهم رده إليَّ ردًّا جميلًا، وأصلح قلبه كما أصلحت قلوب عبادك الصالحين.
أما سفيان، فكان يخفي حزنه خلف صلابته، فإذا رأى دموع زوجته قال لها:
ـ لا تيأسي من رحمة الله، فلعل يومًا يأتي فيعود إلينا نادمًا.
مرت الأشهر، ثم الأعوام، ولم تصل منهم إلى ليث رسالة، ولم يصل منهم إليه خبر.
كبرت البنات، وأصبحن أكثر نضجًا، وكانت أمهن تغرس فيهن معنى صلة الرحم، فتقول:
ـ قد يسيء إليكم القريب، لكن لا تجعلوا إساءته سببًا لقطع ما أمر الله به أن يوصل، فالواصل ليس من يكافئ، وإنما من يصل من قطعه.
حفظت البنات هذه الكلمات في قلوبهن، حتى أصبحت وصيةً لا تغيب عن ألسنتهن.
لكن الحزن الذي استقر في قلب الأم بدأ يترك أثره في جسدها.
ضعفت شيئًا فشيئًا، وأصبحت كثيرة السهر، لا تنام إلا بعد أن تدعو لابنها طويلًا.
وفي إحدى الليالي، طلبت من بناتها أن يجلسن بقربها.
ابتسمت لهن ابتسامةً امتزج فيها الرضا بالألم، وقالت بصوتٍ خافت:
ـ إن رحلتُ يومًا، فلا تجعلوا الكراهية تدخل هذا البيت، وإن عاد ليث، فلا تستقبلوه بالحقد، بل ذكّروه أن له بيتًا ما زال يعرف اسمه، وأن أمًّا كانت تدعو له حتى آخر أنفاسها.
انفجرت البنات بالبكاء، بينما أمسك سفيان بيد زوجته وقال:
ـ بل ستعيشين بيننا سنواتٍ طويلة بإذن الله.
ابتسمت ابتسامةً هادئة، ثم أغمضت عينيها...
ولم تفتحهما بعد ذلك.
رحلت الأم، لكنها تركت خلفها وصيةً أصبحت دستورًا للعائلة.
تحول البيت بعد وفاتها إلى مكانٍ تغمره السكينة، لكنها سكينةٌ يختلط فيها الصبر بالحزن.
كان سفيان يزور قبر زوجته كل أسبوع، ويجلس عنده طويلًا، يحدثها وكأنها تسمعه، ويقول:
ـ لقد نفذتُ ما استطعته، وما زلتُ أدعو الله أن يعيد إلينا ليث قبل أن يسبقني الأجل.
أما البنات، فقد كن يخفين دموعهن حتى لا يزدن أباهم ألمًا.
ورغم مرور السنوات، لم يتوقف الأب عن البحث عن ابنه.
كان يسأل عنه في المدن، ويقصد كل من ظن أنه يعرف مكانه، لكن جميع محاولاته باءت بالفشل.
وذات مساء، اجتمعت الأخوات الثلاث.
قالت زهرة:
ـ أبي يذبل يومًا بعد يوم، ولن يتوقف عن البحث ما دام حيًا.
وقالت عدوية:
ـ لكننا لا نعرف أين ليث، ولا كيف نصل إليه.
أما نرجس فقالت:
ـ هناك وسيلة واحدة قد توصله إلينا، حتى لو لم نعرف مكانه.
التفتت إليها أختاها باستغراب.
قالت:
ـ لننشر نعي أمنا في مواقع التواصل الاجتماعي، فربما يراه، أو يرسله إليه أحد ممن يعرفه.
ساد الصمت.
لم يكن القرار سهلًا، فقد كن يعلمن أن والدهن لا يريد استغلال وفاة زوجته وسيلةً لاستدراج ابنه.
دخلت زهرة إلى غرفة أبيها، وجلست بجواره، ثم قالت برفق:
ـ يا أبي... نحن لا نريد خداعه، وإنما نريد أن نمنحه فرصةً أخيرة ليعود إلى بيته. ربما غيّرته الأيام، وربما اشتاق إلينا كما اشتقنا إليه.
ظل سفيان صامتًا طويلًا.
ثم رفع رأسه وقال:
ـ إن عاد تائبًا، فسيجدني أبًا كما كنت دائمًا، أما إن عاد كما رحل، فلن يربح إلا مزيدًا من الخسارة.
وافقت البنات، ونُشر نعي الأم.
مرت الأيام...
ثم الأسابيع...
ثم شهرٌ كامل...
ولم يرن الهاتف مرةً واحدة.
حتى ظن الجميع أن ليث لن يعود أبدًا.
لكن في صباح يومٍ هادئ...
دوّى جرس الباب.
نظرت الأخوات إلى بعضهن، بينما اتجهت نرجس بخطواتٍ مترددة نحو الباب.
فتحت الباب...
فتجمدت في مكانها.
وقف أمامها رجلٌ أنهكته السنون، كثَّ اللحية، شاحب الوجه، يرتدي ثيابًا قديمة، وتحمل عيناه آثار تعبٍ طويل.
حدقت فيه لحظات...
ثم همست بصوتٍ مرتجف:
ـ ليث...!
يتبع في الجزء الثالث...الجزء الثالث
وقفت نرجس مشدوهة، وعيناها تفيضان بالدموع.
لم تصدق أن أخاها الذي انتظرته سنواتٍ طويلة يقف أمامها أخيرًا.
قالت بصوتٍ مرتعش:
ـ ليث... الحمد لله على سلامتك.
ولم تنتظر جوابًا، بل اندفعت لتعانقه.
غير أنه رفع يده ليمنعها من الاقتراب، وقال بوجهٍ خالٍ من المشاعر:
ـ أأنتِ نرجس؟
تراجعت خطوة، وقالت:
ـ نعم... أنا أختك.
أجاب ببرود:
ـ لقد تغيّرت ملامحكم جميعًا.
كانت كلماته كجدارٍ باردٍ اصطدمت به مشاعرها.
وفي تلك اللحظة خرجت زهرة وعدوية.
نظرتا إليه طويلًا، ثم قالت زهرة بهدوء:
ـ مرحبًا بك يا ليث... مضت سنوات طويلة.
أجاب دون أن يبتسم:
ـ وأين أبي؟
قالت زهرة:
ـ في غرفته... ينتظرك منذ أعوام، وإن كان لا يعلم أنك ستأتي اليوم.
دخل ليث إلى المنزل بخطواتٍ بطيئة.
كان كل شيء كما تركه تقريبًا؛ الساعة القديمة، مكتبة والده، وسجادة الصلاة التي كانت أمه تطويها كل صباح.
توقفت عيناه عند صورةٍ كبيرة معلقة على الجدار.
كانت صورة والدته.
حدق فيها لحظات، ثم أشاح بوجهه دون أن ينطق.
دخل غرفة والده.
كان سفيان يجلس على كرسيه يقرأ القرآن.
رفع رأسه، فرأى ابنه واقفًا أمامه.
ساد صمتٌ طويل.
ثم أغلق المصحف برفق، وقال:
ـ السلام عليكم يا بني.
تردد ليث لحظة، ثم أجاب:
ـ وعليكم السلام.
اقترب الأب قليلًا، وقال:
ـ الحمد لله الذي كتب لي أن أراك قبل أن أموت.
خفض ليث رأسه، ولم يجد ما يقوله.
فسأله الأب:
ـ كيف مضت بك الحياة؟
قال بعد صمت:
ـ علّمتني أن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة، لكنه لا يدرك قيمتها إلا بعد فوات الأوان.
نظر إليه الأب بعينين امتلأتا شفقة، وقال:
ـ باب التوبة لا يُغلق يا بني ما دام القلب حيًّا.
ساد الصمت مرة أخرى.
ثم قال ليث:
ـ بلغني خبر وفاة أمي... جئت لأعرف ما حدث.
أطرق الأب رأسه.
وقبل أن يتكلم، دخلت زهرة تحمل فنجان قهوة.
وضعته أمام أخيها، وقالت:
ـ رحلت أمنا وهي تدعو لك في كل ليلة، ولم تذكر اسمك إلا بخير.
ارتجفت يد ليث قليلًا، لكنه حاول إخفاء تأثره.
قال بصوتٍ خافت:
ـ هل... كانت غاضبةً مني؟
ابتسم الأب ابتسامةً حزينة.
ـ الأم قد تحزن من ولدها، لكنها لا تتوقف عن الدعاء له.
خفض ليث عينيه.
ولأول مرة منذ دخوله البيت، بدا عليه شيءٌ من الانكسار.
لكن هذا الشعور لم يدم طويلًا.
فقد عاد يسأل بنبرةٍ عملية:
ـ وهل تركت أمي وصية؟
تعجبت الأخوات من السؤال.
قالت زهرة:
ـ نعم... أوصتنا أن نبقى متحابين، وأن نصل من قطعنا.
هز ليث رأسه، ثم قال:
ـ وأنا أيضًا لدي أمر يجب أن يُحسم.
نظر الجميع إليه باستغراب.
قال:
ـ أريد أن أعرف وضع الميراث، وما الذي آل إليَّ من حقٍّ فيه.
ساد الصمت في الغرفة.
لم يكن طلبه مخالفًا للحق، لكن توقيته كان قاسيًا؛ فلم يمضِ وقت طويل على عودة ابنٍ غاب سنوات عن أهله.
نظر الأب إلى ابنه طويلًا، وقال بهدوء:
ـ يا ليث... المال حق، ولن يمنعك أحدٌ من حقك، لكن الحقوق لا تبدأ بالمال فقط، بل تبدأ بحق الله، ثم بحق الوالدين، ثم بحق الرحم. كنت أتمنى أن يكون سؤالك الأول: كيف عشتُم من بعدي؟
لم يجب ليث.
واكتفى بالنظر إلى الأرض.
وفي تلك الليلة...
جلس كل واحدٍ منهم يحمل همَّه في صدره.
كان الأب يدعو الله أن يلين قلب ابنه.
وكانت الأخوات يرجون أن يكون حديث الميراث أثرًا من آثار السنوات القاسية التي عاشها.
أما ليث...
فكان ينظر إلى صورة والدته بصمت، وكأن في داخله صراعٌ بين بقايا الخير التي ربته عليها، وبين القسوة التي صنعها بنفسه عبر السنين.

قصة برود الحق وحرارة الإثم الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

حلَّ الصباح، ولم يكن البيت كما كان في الأمس.
جلس سفيان في مجلسه المعتاد، وأمامه أبناؤه الأربعة، لكن شعورًا ثقيلًا خيّم على المكان.
نظر الأب إلى ليث وقال بهدوء:
ـ يا بني، المال حقٌّ شرعه الله، ولن يمنعك أحدٌ من حقك إن استحققته، لكن الإنسان قد يملك المال ويخسر من يحب.
أطرق ليث رأسه لحظة، ثم قال:
ـ لقد مضت سنوات طويلة، وكلٌّ منا اختار طريقه. جئت اليوم لأنهي ما بيننا، وليأخذ كل ذي حق حقه.
قالت عدوية بحزن:
ـ كنا ننتظر أن تعود أخًا قبل أن تعود وارثًا.
وأضافت نرجس:
ـ لقد اشتاقت إليك قلوبنا أكثر مما اشتاقت أعيننا لرؤيتك.
أما زهرة فقالت بهدوء:
ـ يا ليث، لا أحد يمنعك من حقك، لكننا تمنينا أن تكون عودتك بداية صلح، لا بداية خصومة.
ساد الصمت...
ثم وقف الأب متكئًا على عصاه، واقترب من ابنه، ووضع يده على كتفه وقال:
ـ يا بني... لو أن الدنيا كلها اجتمعت في يدك، فلن تعوّض لحظةً ضاعت من برِّ أمك، ولا كلمةً قاسيةً قلتها لأبيك. راجع نفسك قبل أن يفوت الأوان.
ارتبكت ملامح ليث.
وبدا أن كلمات أبيه لامست شيئًا في أعماقه، لكنه بقي أسير كبريائه.
وفجأة...
اشتد الألم في صدر سفيان.
حاول أن يتمالك نفسه، لكن جسده لم يسعفه.
أسرعت البنات نحوه، بينما أمسك ليث بيده لأول مرة منذ عودته.
فتح الأب عينيه بصعوبة، ونظر إلى أبنائه جميعًا، ثم قال بصوتٍ خافت:
ـ اتقوا الله... ولا تقطعوا رحمكم...
ثم أسلم روحه إلى بارئها.
انفجرت البنات بالبكاء.
أما ليث، فوقف مذهولًا، وكأن السنين كلها انهارت فوق كتفيه في لحظة واحدة.
يتبع في الجزء الرابع والأخير...الجزء الرابع والأخير
ساد الحزن أرجاء البيت بعد وفاة سفيان، وأصبحت جدران المنزل شاهدةً على فراق أبٍ وأمٍّ جمعا أبناءهما على المحبة، لكن سوء الاختيار وقطيعة الرحم كانا قد تركا أثرهما في هذه الأسرة.
بعد انتهاء مراسم العزاء، اجتمع ليث مع أخواته في مجلس أبيه.
جلس صامتًا لحظات، ثم قال بلهجة يغلب عليها الجفاء:
لقد انتهى كل شيء، ولكل واحدٍ منا حقه كما شرع الله، وأريد أن تُقسَّم التركة.
نظرت إليه نرجس بعينين اغرورقتا بالدموع، وقالت:
أتذكرت شرع الله في الميراث، ونسيت شرعه في بر الوالدين وصلة الرحم؟
لم يجب ليث، واكتفى بإشاحة وجهه.
أما زهرة فقالت بهدوء:
لقد أوصتنا أمنا قبل وفاتها بوصية لن ننساها ما حيينا، قالت: صلوا من قطعكم، وأحسنوا إلى من أساء إليكم، ولا تجعلوا الدنيا تفسد ما بينكم.
ثم التفتت إلى أختيها.
قالت عدوية وهي تمسح دموعها:
أشهد الله أنني أتنازل عن نصيبي لأخي؛ وفاءً لوصية أمي، لا خوفًا منه، ولا رغبة في ماله، وإنما ابتغاءً لرضا الله.
ثم وقعت ورقة التنازل.
وتقدمت زهرة وقالت:
وأنا أيضًا أتنازل عن نصيبي؛ لعل الله يجبر قلب أم ماتت وهي تدعو لولدها بالهداية.
ثم وقعت.
أما نرجس فوقفت أمام صورة والديها طويلًا، تتأمل ابتسامتهما.
انهمرت دموعها وهي تقول:
يا أمي، سامحيني إن بقي في قلبي ألم، لكنني سأطيع وصيتك.
ثم أمسكت القلم ووقعت ورقة التنازل.
وقف ليث صامتًا.
لم يكن يتوقع أن يقابل كل ما فعله بهذا القدر من التسامح.
شعر بثقل في صدره، وكأن سنوات الغياب بدأت تظهر أمامه دفعة واحدة.
حاول أن يتكلم، لكن الكلمات خانته.
وبينما كان يجمع الأوراق استعدادًا للمغادرة، دوّى صراخ في فناء الدار.
أسرعت الأخوات إلى الخارج.
فإذا بليث ملقى على الأرض، وقد لدغه ثعبان كان مختبئًا بين الأعشاب القريبة من سور المنزل.
هرع الجيران لإسعافه، ونُقل إلى المستشفى على وجه السرعة.
وقفت أخواته عند باب غرفة الطوارئ، يرفعن أيديهن بالدعاء، فلم يحملن في قلوبهن شماتة، بل دعون له بالرحمة والهداية، كما كانت أمهن تفعل دائمًا.
مرت ساعات ثقيلة.
ثم خرج الطبيب مطأطئ الرأس، وقال:
عظم الله أجركم... لقد فارق الحياة.
ساد صمت مؤلم.
وانخرطت الأخوات بالبكاء، لا فرحًا بما حدث، بل حزنًا على أخ أضاع سنوات عمره بعيدًا عن والديه وأهله، حتى انتهت رحلته قبل أن يصلح ما أفسده.
وقفت زهرة عند قبر والديها، وقالت وهي تنظر إلى السماء:
اللهم إنك أعلم بسرائر عبادك، وأنت الحكم العدل، ولا نزكي على أحدٍ حكمًا. نسألك أن تغفر له إن كان في قلبه خير، وأن تجعل ما جرى لنا جميعًا موعظة وعبرة، وأن تحفظ الأسر من القطيعة والجفاء.
ثم أمسكت بيد أختيها وقالت:
لقد نفذنا وصية أمنا، ووصلنا من قطعنا، أما الحساب فهو إلى الله وحده.
وغادرن المقبرة وقلوبهن مثقلة بالحزن، لكنهن كن على يقين بأن الخير كل الخير في طاعة الله، وأن صلة الرحم لا تكون برد الجميل فقط، بل بالإحسان حتى عند الألم.
انتهى.الخاتمة
قد يظن الإنسان أن الزمن يمحو آثار الذنوب، لكن الحقوق تبقى معلقة حتى تُؤدَّى، والقلوب التي كُسرت لا يجبرها إلا الله.
فالسعيد من راجع نفسه قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه الندم، ومن حفظ رحمه، وبرَّ والديه، وأحسن إلى أهله، نال رضا الله وطمأنينة القلب.
أما من أصرَّ على الجحود والقطيعة، فإن عاقبة الظلم وخيمة، والله سبحانه هو الحكم العدل، يعلم السرائر ويجازي كلَّ نفسٍ بما كسبت.
وفي النهاية، تبقى الأسرة أعظم نعمةٍ يمنحها الله للإنسان، فلا يفرّط بها بسبب الغضب أو الكبرياء، فالكلمة الطيبة قد تصلح ما أفسدته سنوات، والعودة إلى الحق فضيلة قبل أن يأتي وقت لا ينفع فيه الندم.
العبرة المستفادة
1- برُّ الوالدين من أعظم الطاعات، وعقوقهما من الذنوب التي حذَّر منها الإسلام.
2- صحبة السوء قد تغيِّر الإنسان إذا لم يتمسك بدينه وقيمه وأخلاقه.
3- صلة الرحم لا تقوم على المعاملة بالمثل، وإنما على طاعة الله والإحسان حتى لمن أساء.
4- المال لا يعوِّض دفء الأسرة، ولا يغني عن محبة الوالدين ودعائهما.
5- الإنسان قد يُمهَل ولا يُهمَل، والله سبحانه هو الحكم العدل، يجازي عباده بحكمته وعدله.
6- كما تدين تُدان؛ فمن زرع الخير حصد الخير، ومن زرع الجفاء والظلم، فإن عاقبة أفعاله تعود عليه، والله أعلم بعباده.
7- التسامح والعفو من صفات أصحاب القلوب الكبيرة، فقد اختارت الأخوات الوفاء لوصية أمهن رغم الألم والجراح.
قال تعالى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾
صدق الله العظيم.

معلومات مصدر القصة 

الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
انضم الآن
تيليجرام
انضم الآن
فيسبوك
متابعة
يوتيوب
اشتراك
انستجرام
متابعة
تيك توك
متابعة
ماسنجر
انضم
فايبر
انضم
بينتيريست
متابعة
منصة X
متابعة
ثريدز
متابعة
تطبيقنا
تحميل
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.
تعليقات