📁 مشاركات منوعه

قصة المسافر الغريب الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

​كثيراً ما أتحدث مع نفسي عن أمنياتي التي رحلت دون أن تحقق، ولا أقصد بالأمنيات الزوج والأولاد، بل العلم وما يحويه من كنوز تنفع الإنسان حتى وإن كان تحت قبره؛ فما ذكره الله تعالى ورسوله الكريم من فضله يجعلك تفكر ملياً في السعي لتحصيله. فالعلم نور يتباهى به كل امرئ حققه رغم الصعوبات والمطبات التي تعترض طريقه.

قصة المسافر الغريب


قصة المسافر الغريب الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

​أنا "حسن"، صاحب هواتف حديثة، سكنت المدينة عن قريب ولم أتعرف على الكثيرين إلا رجلاً قليل الكلام كثير السفر، اسمه "سعيد"، وهو أستاذ مساعد في كلية الطب تخرج الكثير من الطلاب من تحت يديه. وما رأيت منه من نبل أخلاق وكرم يجعلني أتمنى أن أكون جزءاً من طلابه.
​وفي أحد الأيام، وأنا أنظف المحل، سمعت خطوات لطالما سررت بها وكنت واثقاً من صاحبها، وكان ظدي في محلّه؛ إنه الأستاذ سعيد، المعلم الرائع الذي يقدره الجميع.
​قال سعيد مبتسماً بعبارته التي يحبها كثيراً: "مرحباً يا بني".
​أجبته: "مرحباً أستاذنا العزيز".
​قال لي مستفسراً: "قل لي يا بني، هل هناك هاتف بسيط أستطيع استخدامه دون أن تزعجني برامجه؟"
​قلت: "هناك الكثير من الأجهزة الحديثة والقديمة لدي، ولكن لا يوجد هاتف لا يزعج الإنسان، فهو الآن سبب لأكبر المشاكل في هذه الدنيا".
​ابتسم الأستاذ سعيد قائلاً: "نعم والله، فقد يصل إلى موسوعة غينيس العالمية!"
​سألته: "هلا تقول لي من فضلك بماذا تريد أن تستخدمه بالضبط كي أختار لك الجهاز المناسب؟"
​قال: "لقد طُلب منا نحن الأساتذة أن نفتح قنوات للطلاب بسبب جائحة كورونا؛ إذ سيلغى الدوام الحضوري ابتداءً من الغد، ويجب أن أهيئ نفسي لمثل هذا اليوم".
​قلت: "لماذا لا تأخذ جهاز (آي باد)؟ فهو يعمل عمل الهاتف وبشكل أوسع".
​أجابني: "لدى حاسبة مثله، ألا تعلم أنها سلاح الأستاذ دائماً وأبداً؟"
​قلت: "انظر يا أستاذ لهذا الهاتف الذي كنت أنظفه وأحميه من الغبار؛ إنه نوع حديث يحوي كاميرات وبرامج، لكنه لن يزعجك كثيراً، فأنت قادر على إغلاق جميع الإشعارات منه إن أردت ذلك".
​سأل الأستاذ سعيد باهتمام: "وبكم هذا؟"
​قلت: "لك، ولا أطلب مبلغاً إطلاقاً".
​قال بحزم: "إذاً لن أخذه أبداً".
​قلت: "هناك تبادل منفعة نستطيع أن نتفق عليه، إن كنت تستطيع أن تملكني وتتحقق لي ما أكن أتناه دائماً".
​سأل بفضول: "وما هي هذه الخدمة؟"
​قلت: "أرغب أن أتعلم منك الطب، فهلا تمنحني محاضراتك وأن تقبل أن أعمل في عيادتك ساعة كل يوم أتدرب على ما تعمل دون أن أزعجك؟ فإن وافقت فقد حققت لي ما أريد، وإن رفضت فهذا حقك بالتأكيد".
​تأملني الأستاذ سعيد بنظرة سريعة وقال: "دعني أفكر في الأمر، فهو ليس هيناً بالطبع، فالمسؤولية التي تقع عليّ كبيرة، لذا يجب أن أفكر ملياً قبل أن أوافق على هذا الأمر".
​قلت له: "لك ما تريد يا سيدي، والآن خذ الهاتف، وإن لم نتفق فلا تقلق، وادفع لي ما تريد".
​خرج الأستاذ سعيد وهو يحمل هاتفه ومعه فكرة حسن، وفي طريق رجوعه ظل يفكر في وضع الشاب وكيف يحقق له أمنيته دون أن يتعرض لمشكلة قانونية تؤذيه. وبعد أن وصل إلى البيت وأخذ قسطاً من الراحة، بدأ يتاتصل بصديق له في موسكو ليطلعه على المشكلة التي يشغل بها فكره ولا يجد لها حلاً. وبعد نقاش طويل، قرر الاثنان مساعدة حسن بطريقة شرعية، ألا وهي منحه تذكرة سفر إلى موسكو (الاتحاد السوفيتي) ليكمل دراسته على حساب الأستاذ سعيد؛ لا لأن سعر الهاتف يساوي سعر التذكرة، كلا، بل حباً بهذا الشاب العظيم الذي يرغب ويجتهد للوصول إلى غايته.
​مرت الأيام والفكرة تعمقت في عقل الأستاذ وصديقه السوفيتي، وبعد أن أكملا كل مستلزمات السفر، قرر الأستاذ مفاتحة حسن والأمر باللقاء. ولكن -وأه من هذه الكلمة التي تجعل الحياة مرة وتطوي في طياتها اليأس والقنوط والعذاب- وبعد أن فرج الله على حسن بإرسال من يعينه ويقف بجانبه،هاجمه القدر مرة أخرى؛ إذ تمرض الأستاذ وأصيب بفيروس كورونا القاتل لتنتهي حياته، تاركاً في جوف عقله سراً لا يعلمه إلا الله وصاحبه.
​مرت الأيام، وسمع حسن بوفاة الأستاذ، فقرر أن يؤدي واجب العزاء لأهله لما يحمله له من تقدير واحترام. وحين سار حسن إلى بيت الأستاذ ودخل باتجاه الغرفة التي يتواجد فيها المعزون، خرج ابنه نحوه قائلاً: "يا حسن، هلا تسمح لي بلحظة من فضلك؟"
​قلت: "بكل سرور يا أخي".
​بعد أن أدى واجب التعزية، قال له خالد ابن الأستاذ سعيد: "لقد ذكر لي والدي معلومة، وأعتذر عن التأخير في تحقيقها، فقد قال إنه اشترى هاتفاً جديداً منك ولم يدفع ثمنه، ولا أعلم لماذا! وقد عاهدت أبي أن أدفعه لك، وهذا هو المبلغ، فقد قيمت سعره، وإن لم يكن هذا سعره فإني على استعداد لمنحك الأكثر منه".
​هنا قال حسن: "لقد منحته للأستاذ مجاناً لحبي وتقديري له، لكنه رفض ذلك، وقد سايرته لرفضه، أما الآن فأنا أسامح في المبلغ كلياً، وهو هديتي له والله".
​خالد: "لالا، لقد وعدته، وإن لم تقبل فخذه، وأنا أقبل أن أدفع لك فرق الاستعمال يا أخي".
​نظر حسن إلى خالد قائلة: "لكنني لا أطلبه والله، وأنا أقف أمامك الآن وأقول إني وهبته له ولا أطلبه كلياً".
​نظر خالد إلى حسن وكأن عينيه تقولان له ألا يجعله يتوسل إليه، فحزنه على والده يكفيه من الآلام والجروح. هنا أخذ حسن الهاتف قائلاً لخالد: "أعتقد أن هذا يكفي ليجعل ضميرك مرتاحاً".
​وبعد أن دخل حسن ليكمل العزاء، وضع الهاتف في جيبه ناسياً أمره تماماً. ومرت الأيام والهاتف في جيب سرواله دون أن يتذكره، وذات مرة وهو يشرب شاي المساء، سمع رنة هاتف غريبة لم يعتد عليها، وبدأ يسأل الجميع عن مصدر النغمة فلم يجبه أحد. وهناك... جاءت ابنة أخته "نبع" لتجلب له هاتف الأستاذ سعيد قائلة: "أعتذر يا خالي، لكني بحثت عن مصدر الصوت ووجدته فقررت أن أجلبها لك".
نظر إليها حسن قائلاً: "بل بالعكس يا حبيبتي، لقد خدمتني كثيراً". وذهب إلى غرفته ليرى من الذي يتصل بهذا الرقم، وهو لا يعلم أن الأستاذ قد مات.
​بعد أن فتح سجل المكالمات، وجد رقماً غريباً لا يتبع أرقام العراق، بل هو رقم دولي. ومرت لحظات وهو يفكر بعمق في تصرف يناسب هذا الموقف: هل يتصل بالرقم أم يتركه لأنه ذكرى من ذكريات الأستاذ ولا يحق له التجسس عليه؟ وبين خليط الأفكار، رن الهاتف من جديد، وما كان من حسن إلا أن أجاب المتصل: "نعم، تفضل، من المتحدث؟"
وما إن سمع الصوت حتى تلعثم وارتبك؛ إنه نفس صوت الأستاذ! ماذا؟ هل هو حي؟ هل هو على قيد الحياة؟ ما الذي تخيله عقلي؟
وبين سؤال وسؤال، قال الصوت: "مرحباً، أليس هذا رقم الأستاذ سعيد؟"
أجاب حسن: "نعم، ومن المتحدث؟"
قال الصوت: "هل هو موجود؟"
حسن: "كلا، هل ترغب بشيء أخبره به؟"
الصوت: "أعتذر منك، لكننا منذ شهرين على موعد للقيام بعمل خير لشاب يعرفه ويحبه ويرى فيه خليفته في الطب".
حسن وهو يسمع الكلام ويتعمق في التفكير: "ومن هذا الشاب يا ترى؟"
الصوت: "أعتذر منك، لا أستطيع إخبارك إلا أن تقول لي من أنت".
حسن (معرفاً نفسه): "أنا حسن، صاحب هذا الهاتف. في الحقيقة، الأستاذ سعيد انتقل إلى جوار ربه قبل أسبوعين، وقد أعاد إليّ ولده الهاتف لأسباب معينة".
سكت الصوت ثم أجابه: "هل أنت حسن صاحب الهواتف الحديثة؟"
عم الهدوء في الهاتفين، وفجأة قال له حسن: "نعم، أنا هو بالضبط، لكن كيف علمت اسمي ومهنتي؟"
الصوت: "أنا (كوفانشكي) من موسكو، صديق حميم للأستاذ، وقد أخبرني عنك، وكان يحضر لك مفاجأة كبيرة، لكن الموت غلبه على ما أظن".
حسن: "وما تلك المفاجأة؟ هلا أخبرتني بها من فضلك؟"
كوفانشكي: "لقد طلب مني تذكرة سفر تخصك لتكمل دراسة الطب عندنا -فأنت تعلم أن الأسعار هنا أقل بكثير من عندكم- وقد دُفع المال وانتظرت حضورك قبل شهرين، لكن الاتصال لم يتم، لهذا قررت الاتصال، لأنه كان يوصيني ألا أاتصل به كي لا يعلم ابنه؛ إذ كان يرفض المساعدة بهذه الطريقة، لذا امتنعت عن الاتصال".
​قال حسن في ذهول لكوفانشكي: "لكن كيف أستطيع تصديق ما تقوله عذراً لك؟"
كوفانشكي: "افتح ظهر الهاتف، سوف تجد رسالة لك، فقد كان يعرفك الأستاذ جيداً، لذا كتب لك رسالة وكان يعلم أن ابنه لن يلح في دفع المبلغ لك بل سيمنحك الهاتف. والآن سوف أغلق الاتصال لتتأكد مما أقول".
​وبعد انتهاء المكالمة، بدأ حسن يفتح الهاتف، وما إن فصل الغطاء عن الجهاز حتى وجد رسالة كُتب عليها: "إلى ابني الثاني حسن، أرجو أن تغفر لي زلتي". وما إن فتح الرسالة وبدأ يقرأها حتى تسللت الدموع حارة من عينيه.ترى ماذا كتب له الأستاذ ليجعله حزيناً مهموماً لهذه الدرجة؟
​نهض حسن باتجاه والدته، وما إن وصل حتى بهت الجميع من شكله؛ فلم يعهدوه ضعيف النفس لدرجة البكاء. قالت أمه بحرقة ولهفة: "ماذا بك يا بني؟ هل أصابك مكروه ما؟"
سحبها حسن نحو غرفته مغلقاً الباب، وبصوت حزين أراها الورقة قائلاً: "الآن أخبريني، بما تتحدث عنه هذه الورقة، وما تحويه من معلومات خطيرة؟"
نظرت الأم باتجاه ابنها وهي لا تعلم ماذا تقول له، وفجأة بدأت الدموع تنهال من خديها قائلة: "نعم يا بني، لقد كان لك سر خطير لا يعلمه إلا الله ووالدك ووالدتك رحمها الله".
نظر حسن إلى أمه وفي عقله الكثير الكثير من الأسئلة التي يجهل إجاباتها، قائلاً لها: "ماذا يا أمي؟ ومن تكونين أنت إذاً يا أمي؟"
الأم: "أنا فعلاً والدتك التي ربتك دون كلل أو ملل، وبذلت الكثير من التعب لأخفي عنك هذا الأمر يا بني. أنت ابن الأستاذ سعيد، وقد جلبك لي بعد أن منحني بيتاً أعيش فيه مع أطفالي، فقد كنت فقيرة الحال لا أملك من المال شيئاً أُعين به أطفالي، لكن جارة لي أخبرته بوضعي، ولطيب أصله قرر مساعدتي بشرط أن أراعيك وأكتب اسم زوجي في هويتك بدلاً عنه".
حسن: "ولماذا كل هذا العناء؟ إن كان لي أم فأنا لست لقيطاً إذاً! فلماذا يخاف أن يعلن عني؟"
الأم: "لست لقيطاً يا بني، بل أنت من عائلة معروفة جداً، لكن والدك وبعد وفاة والدتك الأولى قرر أن يتزوج بمن يحب -لأن أمك كانت ابنة عمه وفرضت عليه- وبعد وفاتها قرر أن يتزوج ممن يحب، لكن شرط أهلها ألا تأخذك معها، وظل حائراً بينك وبين قلبه".
حسن: "فأختار قلبه أليس كذلك؟ وتقولين لي إنه طيب الأخلاق والأصل؟!"
​هنا وقفت الأم ووضعت يدها فوق فمه قائلة: "بالله عليك لا تذكره بسوء، فهو الآن بين يدي الله، وإن كنت لا تعلم مقدار عذابه عندما تركك فالله يعلم يا بني".
سكت حسن قليلاً ثم قال لها: "أخبريني أنت، ما جواب من يترك ابنه عرضة للحب والتمتع بباقي شبابه؟ هيا تكلمي!"
نظرت إليه أمه قائلة: "انظر يا بني، نعم، ذنب والدك لا يغتفر أبداً، لكن ما سأمنحه لك قد يخفف من ذنبه".
توجهت الأم نحو مكتبة صغيرة مخفية خلف صورة لحسن، فتفاجأ حسن من هذا المنظر، والأكثر فجأة هو ما كانت تحمله والدته من مبلغ كبير من المال ومجوهرات وورقة رسمية كبيرة. تقدمت الأم ومنحته ما تحمله قائلة: "انظر يا حسن، هذه الورقة قبل المال والذهب".
​وما إن فتحها حتى وجد فيها اعترافاً رسمياً بأنه الوريث الشرعي لما يملكه والده من أموال وعقار، وأن له الحق في التصرف بكل أمواله. أما أهله، فقد منحهم بقدر ما منح حسن حتى لا يكون هناك نزاع وكره بين الإخوة، لكن كان هناك رجاء من والده أن يبقي الأمر سراً إن رغب، لأنه يعلم غباء ابنه الأصغر خالد وإخوته، ويتمنى من حسن أن يحافظ على السر لكي لا تنهدم العائلة التي بناها.
​هذه العبارات جعلت الغضب يسيطر على حسن؛ فهو يفكر بهذه العائلة وهو في القبر، ولا يفكر به أبداً، ودائماً هو الضحية في هذا الموضوع! وهنا قرر أن يذهب إلى بيت والده ويفضح الأمر. وبين توسل الأم والأخوة وبين قراره، تراجع في اللحظة الأخيرة. واتصل صديق والده من موسكو ليفهم آخر قراراته، لكنه رفض التحدث معه. فما كان من الأخ الأكبر إلا أن تحدث معه وأخبره بمعرفة حسن بالامر، واتفقا على منحه بعض الوقت ليقرر ما يفعل.
​فعلاً، مر شهر وحسن لا يتحدث مع أحد، معتكفاً في البيت لا يغادره، والأم وأبناؤها لا يعرفون كيف يتعاملون مع هذا الموقف. وفجأة خرج حسن من غرفته قائلًا للجميع: "أماه وإخوتي، أعلم أني أوجعتكم كثيراً، ولا أحب أن أراكم بهذه الحال، لكن الذي يفرحني هو خوفكم عليّ أكثر من أبي الحقيقي. لذا، ورفضاً للظلم ورداً للجميل، فأن أمنحكم كل ما وهبني به أبي؛ لأنك يا أمي وإخوتي أحق مني به".
​وهنا سكت الجميع، وخرج صوت ناعم ينطق بعبارات أذهلت الحاضرين؛ إنه صوت تلك الفتاة الصغيرة الرقيقة القلب والمشاعر "نبع"، التي استطاعت أن تغوص في أعماق الجميع وتنطق بعبارات ألهمها الله إياها:
"يا خالي، لقد كنت وما زلت خالي الذي أعرفه، ورغم صغر سني وخبرتي القليلة، لكني أحمل من التجارب ما يجعلني أذكر لك ما بجعبتي من أقوال قد تسرك وتسر الجميع. لقد منحنا الله نعماً قليل من الناس من يمتلكها؛ ألا وهي نعمة النسيان، وأيضاً نعمة المحبة والقناعة، وهاتان الصفتان لا يمتلكهما الكثير من البشر، وهذا ما جعل بيتنا يعمر بالخير والسكون. فلو دخل هذا المال إلينا لن نستطيع العيش بسلام، وكل واحد منا -رغم قناعته- لديه الكثير الكثير من الأهداف التي لم يستطع أن يحققها، وأنت يا خالي لو منحتنا إياه فسوف تجعل هذا البيت خراباً، فالكل سوف يتكاسل في تأدية واجبه لأنه يعلم أن لديه مالاً لو أراد أن يشتري به العالم لاشتراه! فلا تجعل نعمتك تكون نقمة علينا يا خالي. أما إن رغبت بمساعدتنا لرد الجميل -وأقصد مساعدتنا جدتي وخالتي وخوالي- فعليك بفتح معمل يفيدنا ويفيد الآخرين. وأنا على علم بأن الكلمة التي سوف أخرجها الآن من فمي سوف تزعجك، لكنها الحقيقة التي غفلت عنها وأنت في قمة غضبك: والدك لم يفضل الحب عليك، بل فضل أن تتواجد في بيئة تحبك لا بيئة تكرهك! لو أنك عشت في الأولى لكنت سوياً ناضجاً تحمل من الرجولة ما لم يراه والدك في الكثير ممن تعامل معهم. قد ترى أن الرجولة قد فقدها هو بالذات، لكن الأصح أن رجولته لم تتحمل إهانتك ممن أحب أو من أهلها، فلا تقسى على نفسك وعلى أهلك، سواء نحن أم الآخرون. أما والدك فادعُ له بالخير، فهو منحك الخير وكان يعلم بعزة نفسك التي لا تقبل كنوز الأرض وما فيها، فأراد أن يمنحك العلم الذي ترغب به لأنه علم أن جدتي لا تستطيع أن تصرف عليك، ولن يستطيع أن يراعيك هو الآخر لأن سره لا يعلمه غير الله وجدتي وصديقه. فهون عليك مصيبتك يا خالي إن اعتقدتها مصيبة، أما أنا فأعتقد أنها امتحان من رب العالمين لك ليرى صبرك ورزقك أين تصرفه، كون عقلك راجحاً وتحمل من النفس الأبية ما يحمله الصالحون يا خالي. والآن، قد انتهيت من كلامي، وأعتذر إن تدخلت في الأمر، لكن حزني عليك وعلى أسرتي دفعني لقول ذلك يا أغلى من أحب وأجمل هدية منحها الله لي ولعائلتي الغالية".
​نظر الجميع إليها والدموع تنهال من أعينهم، أما حسن فلم يستطع أن يقول سوى أن حضن ابنة أخته قائلًا لها: "لقد منحك الله عقلاً ولساناً لو امتلكه رؤساء الدول العربية لأصبحت الأمة بخير".
​قبلت نبع خالها، وقبل أن يقرر حسن قراره الأخير، قال لنبع: "يا نبع، أتراُكِ تعرفين لماذا أختي أسمتك بهذا الاسم؟"
​نبع: "نعم، لكني أرغب أن أسمعه منك يا خالي".
ضحك حسن وقال: "لأنك تنبعين بالخير والعطاء، فأنت كالنهر الجاري الذي يبعد الأوساخ عن أي مكان؛ مثل المصلي الذي يرغب أن يغتسل ليتوضأ فيتوجه نحو الماء ليبدأ بصفحة بيضاء تفصل ذنوبه عن جسده وتصل إلى حد مسحها لتكون بداية جديدة ليوم جديد. أنت هكذا يا نبع حياتي النابض".
​هنا صفق الجميع، وراحت نبع تركض إليه مقبلة خده قائلة: "لقد منحتنا حياة جديدة يا خالي! أأفهم من هذا أنك باق معنا؟ لأنك ذكرت كلمة أختي وهذا معناه أنك تقبلتنا يا خالي؟"
​حسن: "ومن رفضكم يا غبية؟!"
ضحك الجميع، ومن بينهم حسن.
​قالت الأم: "ماذا قررت يا بني؟"
​حسن: "مثلما ذكرت نبع، سوف أعمل على بناء مصنع كبير يراعينا جميعاً ويذكر اسم أبي ويخلده، ولكن دون ذكر الماضي".
​الأم: "وكيف ذلك؟"
​حسن: "سوف أذهب لأخي وأذكر له مشروعي، ولكن لن أقول له سر أبي، بل أقول إنه حب بالأستاذ سعيد، وأنا لا أنكر محبتي له بالرغم مما حدث، التوضيح الذي ذكرته نبع أعم وأشمل من تفكيري السيء. وسوف أحقق رغبة أبي ورغبتي في الدراسة، وأعوض ما فاتني من الأيام بإذن الله تعالى".
​قالت الأم ضاحكة باكية: "قد تغيب عنا بجسدك، لكنك موجود في قلوبنا، فأنت مثل المسافر الغريب، رغم سفرك وغربتك تبقى حاضراً معنا بعقلك وقلبك، أليس كذلك يا بني؟"
​قال حسن: "طبعاً يا أمي".
​وهكذا، قررت أن أطوي صفحة الماضي بآلامها وجروحها وأحزانها وأفراحها، وأبدأ مسيرة جديدة أتمنى أن تكون ناجحة بإذن الله تعالى، وأن يرحم أبي بما فعله من زلات قد يراها بسيطة ويراها الله كبيرة، أما توبته فهي وحدها من تقرر مسامحة الله له. وأما أنا، فلن أسامحه فقط، بل أشكره لأنه منحني عائلة مثلكم يا أمي.

معلومات مصدر القصة 

الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
انضم الآن
تيليجرام
انضم الآن
فيسبوك
متابعة
يوتيوب
اشتراك
انستجرام
متابعة
تيك توك
متابعة
ماسنجر
انضم
فايبر
انضم
بينتيريست
متابعة
منصة X
متابعة
ثريدز
متابعة
تطبيقنا
تحميل
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.
تعليقات