📁 مشاركات منوعه

حين يبحث المراهق عن ذاته في المكان الخطأ الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

تُعدّ مرحلة المراهقة من أكثر المراحل حساسية في حياة الإنسان؛ ففيها تتشكل ملامح الشخصية، وتتبلور القيم، ويبدأ الشاب في البحث عن هويته ومكانه في المجتمع. إنها مرحلة انتقالية تحمل الكثير من التغيرات النفسية والفكرية والاجتماعية، ولذلك يكون المراهق أكثر تأثرًا بمن حوله، وأكثر حاجة إلى من يسمعه ويفهمه ويمنحه الثقة والتوجيه.
ومن المؤسف أن بعض المراهقين قد يجدون أنفسهم تدريجيًا في طريق الانحراف الأخلاقي أو ضمن جماعات وعصابات منحرفة. وغالبًا لا يبدأ الأمر برغبة حقيقية في الجريمة أو الفساد، وإنما يبدأ من حاجة إلى الانتماء والقبول والشعور بالقوة والأهمية. فإذا لم يجد المراهق هذه الحاجات داخل أسرته ومدرسته ومجتمعه، فقد يبحث عنها في المكان الخطأ.


حين يبحث المراهق عن ذاته في المكان الخطأ

لماذا ينحرف المراهق؟
من أهم أسباب الانحراف ضعف التواصل داخل الأسرة. فالمراهق الذي لا يجد من يستمع إليه دون إهانة أو سخرية، والذي يشعر بأن مشكلاته لا تهم أحدًا، قد يبحث عن أصدقاء يمنحونه ذلك الاهتمام. وهنا قد تظهر الجماعات المنحرفة كبديل للأسرة، فتمنحه شعورًا زائفًا بالأمان والانتماء.
كما أن ضغط الأقران يمثل عاملًا مؤثرًا في هذه المرحلة. فقد يبدأ الأمر بتقليد مجموعة من الأصدقاء في تصرف بسيط، ثم يتحول التقليد إلى سلوك متكرر، ومع الوقت يصبح الخطأ أمرًا طبيعيًا في نظر المراهق، خصوصًا عندما يجد من حوله من يشجعه عليه ويصفه بأنه دليل على الشجاعة أو القوة.
ومن الأسباب المهمة أيضًا الفراغ وغياب الهدف. فالمراهق الذي لا يجد نشاطًا رياضيًا أو ثقافيًا أو علميًا يشغله، ولا يمتلك هدفًا يسعى إليه، قد يبحث عن الإثارة والمغامرة في أماكن غير آمنة. وبعض العصابات تستغل هذه الحاجة، فتقدم للمراهق صورة براقة عن القوة والحرية والهيبة، بينما تخفي وراءها الاستغلال والجريمة وتدمير المستقبل.
ولا يمكن إغفال تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى الرقمي؛ إذ يتعرض المراهق يوميًا لمواد قد تروّج للعنف أو السلوكيات المنحرفة أو تجعل الشهرة والتمرد على القيم الاجتماعية رمزًا للقوة والاستقلال. ومع تكرار التعرض لهذا المحتوى، قد يحدث نوع من تطبيع السلوك الخاطئ، فيصبح ما كان يراه المراهق مرفوضًا أمرًا عاديًا أو مقبولًا.
كذلك فإن العنف الأسري والإهمال والتهميش قد يدفعان بعض المراهقين إلى البحث عن بديل خارج المنزل. فالمراهق الذي يعيش في بيئة يشعر فيها بالإهانة أو الرفض قد يتعلق بأي جماعة تمنحه الاعتراف، حتى لو كان ثمن ذلك التخلي عن قيمه ومستقبله.
وهناك أيضًا عامل الحاجة إلى القوة والاعتراف. فبعض المراهقين يشعرون بأنهم ضعفاء أو غير مهمين، فتستغل الجماعات المنحرفة هذا الشعور وتمنحهم وهم القوة والنفوذ. فيبدأ المراهق بالنظر إلى العنف والتحدي والخروج على القانون باعتبارها وسائل لإثبات ذاته.
كيف يبدأ الانحراف؟
الانحراف غالبًا لا يحدث فجأة، بل يمر بمراحل متدرجة:
فراغ → صديق منحرف → تقليد → تجربة → تكرار → تطبيع الخطأ → ارتباط بالجماعة → سلوك أخطر.
وهنا تكمن خطورة تجاهل العلامات الأولى؛ لأن التدخل المبكر قد يمنع المشكلة قبل أن تتحول إلى سلوك يصعب تغييره.
هل العقاب وحده يكفي؟
إن العقاب قد يكون ضروريًا في بعض الحالات، لكنه ليس علاجًا كافيًا وحده. فإذا عاقبنا المراهق دون أن نفهم سبب انحرافه، فقد ندفعه إلى مزيد من العناد أو العزلة أو البحث عن جماعة تحميه من الأسرة والمجتمع.
المطلوب هو الجمع بين الحزم والاحتواء؛ أن تكون هناك حدود واضحة للسلوك الخاطئ، وفي الوقت نفسه يجد المراهق من يسمعه، ويشرح له، ويمنحه فرصة للإصلاح.
فالأسرة مطالبة ببناء علاقة قائمة على الحوار والثقة، والمدرسة مطالبة باكتشاف التغيرات السلوكية المبكرة، والمعلم له دور مهم في توجيه الطالب وتعزيز ثقته بنفسه، والمجتمع مطالب بتوفير بيئة تمنح الشباب فرصًا حقيقية للنجاح والإنجاز.
دور الأسرة والمدرسة والمجتمع
لا يمكن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية الظاهرة؛ فالوقاية مسؤولية مشتركة.
الأسرة: بالحوار، والقدوة، والمتابعة، والاحتواء، ومراقبة الصداقات دون تحويل المراقبة إلى تجسس أو قمع.
المدرسة: من خلال اكتشاف السلوكيات المقلقة مبكرًا، وتعزيز الأنشطة، وبناء علاقة إيجابية بين الطالب والمعلم.
المجتمع: بتوفير أماكن آمنة للرياضة والثقافة والإبداع، وفتح أبواب حقيقية أمام الشباب لإثبات أنفسهم.
الإعلام: بتقديم نماذج إيجابية للنجاح، وعدم تحويل العنف والانحراف إلى صورة جذابة أو بطولية.
المراهق نفسه: بأن يتعلم أن القوة الحقيقية ليست في إخافة الآخرين، وإنما في القدرة على التحكم بالنفس، واتخاذ القرار الصحيح، وبناء المستقبل.
الخاتمة
إن المراهق الذي ينحرف ليس بالضرورة إنسانًا سيئًا منذ البداية، بل قد يكون إنسانًا يبحث عن ذاته، وعن الحب والانتماء والتقدير، لكنه لم يجد الطريق الصحيح إليها. وحين يغيب الاحتواء، قد تتقدم الجماعات المنحرفة لتملأ الفراغ، فتمنحه انتماءً زائفًا وقوةً وهمية ومستقبلًا مهددًا.
لذلك فإن مواجهة الانحراف الأخلاقي بين المراهقين لا تبدأ بالعقوبة بعد وقوع الخطأ، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ من بيت يسمع، ومدرسة تحتضن، ومعلم يوجّه، ومجتمع يمنح الفرصة.
فالمراهق الذي يجد من يأخذ بيده اليوم، قد يصبح غدًا إنسانًا يأخذ بيد جيل كامل. أما المراهق الذي نتركه يبحث عن ذاته وحده، فقد يجد نفسه في المكان الذي لا يعرف كيف يعود منه. 🌱
معلومات مصدر المقال 

الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
انضم الآن
تيليجرام
انضم الآن
فيسبوك
متابعة
يوتيوب
اشتراك
انستجرام
متابعة
تيك توك
متابعة
ماسنجر
انضم
فايبر
انضم
بينتيريست
متابعة
منصة X
متابعة
ثريدز
متابعة
تطبيقنا
تحميل
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.
تعليقات