📁 مشاركات منوعه

قصة أنفاسٌ على دَرْبِ الكِفَاحِ الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

أشرقت شمسٌ ثم غابت، وحضر ليلٌ ثم اختفى، وسكونٌ أعقبته ضوضاء... هكذا هي حياتنا؛ بحلوها ومرِّها، نعيش بقوتنا وضعفنا، ونحارب كي نعبر إلى حافة الأمان.

 أنفاسٌ على دَرْبِ الكِفَاحِ

 أنفاسٌ على دَرْبِ الكِفَاحِ


نعم، حافة الأمان؛ فليس كل طريقٍ نسلكه يؤدي إليها. فقد تسير في اتجاهٍ تظنه خلاصًا من الهلاك، ثم تكتشف أنك اخترت الطريق الخطأ، وأن ما ظننته نجاةً كان يقودك إلى مزيدٍ من الوجع.
وكم من قفزةٍ قفزتها وأنت تحاول ألّا تنكسر، ثم فرحت لأنك تجاوزتها بجدارة، وكم من «آه» نطق بها لسانك ولم يشعر بوجعها غير الله؛ فقلبك ينزف، وعيناك تخفيان دموعًا لا يراها أحد.
وقد تشعر أحيانًا أن الرياح أقوى منك، فتختار التنازل، أو تصمت عن حقك لأنك تعلم أن بعض الحروب أكبر من قدرتك. وقد تدفعك قلة الخبرة إلى صراعٍ لم تختره، أو تقودك غيرة الآخرين إلى معركةٍ لم تكن تريدها.
لكن الإنسان لا يُختبر فيما يحدث له فقط، بل يُختبر أيضًا في الطريقة التي يتعامل بها مع ما يحدث له؛ فالصبر قد يكون نجاة، والغضب قد يكون هلاكًا.
قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
سورة البقرة، الآية 155.
وهكذا تمضي الحياة بين اختباراتٍ وعواصف؛ منها ما يلين لنا، ومنها ما يقسو علينا.
وهذا ما حدث للفلاح غانم.
كان غانم رجلًا بسيطًا، لا يعرف القراءة والكتابة، لكنه يعرف معنى الأمانة والعمل. عاش في مزرعةٍ واسعة يعمل فيها بإخلاص، وكان يظن أن الاجتهاد والتعب لا بد أن يقوداه يومًا إلى النور بعد الظلام.
وكان حاكم المزرعة رجلًا ظالمًا، يتفقد العاملين كل شهر، ويقرر من يبقى ومن يترك العمل. ولاحظ أن غانم أكثرهم اجتهادًا؛ يعمل بحماسةٍ وأمانةٍ ودقة، ولا يلتفت إلى ما يفعله الآخرون.
فكر الحاكم في استغلاله.
استدعاه ذات يوم وقال:
«يا غانم، إن واصلت العمل في هذه المزرعة خمس سنوات، فسأهبك الأرض، وستصبح ملكًا لك.»
لم يصدق غانم ما سمع. كان حلمه أن يمتلك أرضًا يزرعها بيديه، ويأكل من ثمارها هو وأهله.
وضع الحاكم أمامه عقدًا وقال:
«هذا هو اتفاقنا.»
ولأن غانم لم يكن يعرف القراءة والكتابة، وضع ختمه على الورقة، وهو يظن أنه وقّع على امتلاك الأرض بعد خمس سنوات.
لكنه لم يعلم أن الحاكم قد خدعه.
كان العقد يجعله تابعًا له، يعمل في الأرض ويزيد إنتاجها، ثم يترك له الحاكم ما يسد حاجته، بينما تبقى الأرض ملكًا له.
ومضت الأعوام، وغانم يعمل كل يوم وكأن الأرض أصبحت له.
وكانت هناك فتاةٌ من أهل القرية تُدعى نجمة.
كانت نجمة تعرف القراءة والكتابة، وكانت ترى غانم وهو يعمل من الصباح حتى المساء. لم ترَ فيه ساذجًا كما يراه بعض أهل القرية، بل رأت رجلًا صادقًا أخلص في عمله، وربط أمله بوعدٍ لم يعرف حقيقته.
وفي أحد الأيام سألته:
«غانم، هل قرأت العقد الذي وقّعت عليه؟»
ابتسم وقال:
«أنا لا أعرف القراءة يا نجمة، لكنني أثق بوعد الحاكم.»
قالت:
«لا تثق بورقةٍ لم تقرأها، ولا بوعد رجلٍ لا تعرف ما يخفيه.»
أجابها:
«لقد قطعت نصف الطريق، ولم يبقَ إلا القليل.»
سكتت نجمة، لكنها لم تطمئن.
ومرت السنوات، وجاء اليوم الذي انتظره غانم طويلًا.
اجتمع أهل القرية ليروا الفلاح الذي أمضى أعوامًا في العمل وهو يستلم الأرض التي وُعد بها.
كان غانم يقف بينهم وقلبه ممتلئ بالأمل، لكن الحاكم لم يظهر.
طال الانتظار، ثم بدأ أهل القرية بالرحيل. ولم يكتفِ بعضهم بالسخرية منه، بل تركوه يواجه خيبته وحيدًا.
عاد غانم إلى بيته منكسرًا.
وبعد أيام، جاءت نجمة تحمل نسخةً من العقد.
قالت:
«غانم، قرأت العقد.»
رفع رأسه إليها.
قالت:
«لقد خدعك الحاكم. الأرض ليست لك.»
بقي صامتًا، ثم قال:
«إذن ضاع تعبي كله؟»
أجابته:
«ليس بعد. ما زال بإمكاننا أن نأخذ حقك. سأشرح العقد أمام أهل القرية، ونطلب منهم الشهادة، ثم نذهب إلى من يستطيع محاسبة الحاكم.»
ثم نظرت إليه بجدية وقالت:
«لكن إياك أن تذهب إليه غاضبًا. لا تجعل الغضب يسرق منك حقك.»
لم يجب غانم.
كان الألم قد ملأ قلبه، ولم يعد يرى أمامه إلا سنوات عمره التي قضاها في أرضٍ ظنها ملكه.
وفي اليوم التالي، ذهب إلى قصر الحاكم.
طرق الباب بعنف.
فتح الحارس وقال:
«ماذا تريد؟»
قال غانم:
«أريد أن أرى الحاكم. انتهت المدة التي اتفقنا عليها، وأريد حقي.»
ضحك الحارس ساخرًا:
«أي حق؟»
قال غانم:
«الأرض التي وعدني بها.»
اقترب الحارس منه وقال:
«دفعت صحتك وجهدك، وأكلت من خيرات الأرض، فما الذي تريده أكثر؟»
نظر إليه غانم بغضب وقال:
«أنت لا تفهم شيئًا.»
وفي تلك اللحظة ظهر الحاكم في الممر.
نظر إلى غانم باحتقار، ثم صاح بالحارس:
«كيف سمحت لهذا المخلوق بالدخول إلى قصري؟ أخرجوه!»
اشتعل الغضب في صدر غانم.
تذكر سنوات التعب، وحلمه الذي ضاع، وسخرية أهل القرية، والعقد الذي خدعه به الحاكم.
وحين حاول الحارس منعه، أخرج غانم سكينته التي كان يخفيها في جيبه، وضربه بها.
ساد الاضطراب في المكان.
حاول الحاكم الفرار، لكن غانم اندفع خلفه، وقد أعمى الغضب بصيرته.
وفي لحظةٍ لم يعد فيها يرى إلا سنوات الظلم، ارتكب جريمته، وانتهت حياة الحاكم.
توقف غانم.
نظر إلى يديه، وكأنه يستيقظ من حلمٍ ثقيل.
وفي تلك اللحظة وصلت نجمة.
كانت تحمل العقد في يدها، ومعها بعض أهل القرية.
صرخت:
«غانم! توقف! لقد وجدنا الطريق لاستعادة حقك!»
لكنها وصلت متأخرة.
نظر غانم إلى العقد في يدها، ثم نظر إلى الحاكم الذي سقط أمامه.
كان الحل بين يدي نجمة.
وكانت النجاة قريبة منه.
لكنه لم يرها.
لقد سبقه الغضب إليها.
قالت نجمة والدموع في عينيها:
«كان يمكن أن تنتصر دون أن تخسر نفسك.»
خفض غانم رأسه.
فقد أدرك متأخرًا أن الظلم الذي وقع عليه لم يمنحه الحق في أن يصنع ظلمًا آخر.
لم يكن غانم ظالمًا حين بدأت قصته؛ كان مظلومًا، مخدوعًا، وجاهلًا بحقيقة العقد.
لكن لحظة غضب واحدة جعلته يخسر أكثر مما خسره طوال سنواته.
خسر الأرض التي حلم بها، ومستقبله، وحريته، وأهله، والأهم من ذلك كله... خسر نفسه.
كانت نجمة تحمل مفتاح النجاة، لكنه لم يرَ المفتاح؛ لأن الغضب كان قد أعمى بصيرته.
وهكذا انتهت حكاية غانم؛ رجلٌ عاش سنواتٍ يحلم بالأمان، وحارب من أجل حقه، لكنه حين وصل إلى حافة النجاة، أسقطته لحظة غضب.
فليس كل من يصل إلى باب النجاة يعبره؛ فقد يكون الباب مفتوحًا، لكن القلب الغاضب لا يرى الطريق.
ولعل أعظم ما تعلمه غانم، متأخرًا، أن الحياة لا تختبرنا بما يحدث لنا فقط، بل تختبرنا أيضًا بما نفعله عندما نتألم.
قال تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
وقال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾.
فالأمانة والعمل والصبر أبوابٌ للنجاة، لكن الإنسان يحتاج إلى عقلٍ يحكم غضبه، وفطنةٍ تحميه من الخداع، وصبرٍ يمنعه من اتخاذ قرارٍ قد يندم عليه طوال حياته.
فكم من إنسانٍ كان على بُعد خطوةٍ من النجاة، لكن الغضب أعماه عن الطريق.
معلومات مصدر القصة 

الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
انضم الآن
تيليجرام
انضم الآن
فيسبوك
متابعة
يوتيوب
اشتراك
انستجرام
متابعة
تيك توك
متابعة
ماسنجر
انضم
فايبر
انضم
بينتيريست
متابعة
منصة X
متابعة
ثريدز
متابعة
تطبيقنا
تحميل
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.
تعليقات