في ظلام الليل القاتم، جلس سمير يسرد بعض خواطره التي طالما كان يلجأ إليها عند الضيق والفراغ. وبين حفيف الأشجار وصفير الهواء المتسلل من حافات النوافذ المتفتحة بفعل تهالكها ومرور الزمن عليها، جلس خلف ركن بعيد عن الضوضاء، تعلوه إضاءة خافتة، وتنساب في أرجائه موسيقى هادئة تنعش الذاكرة بأجمل العبارات التي استوحتها مخيلته الواسعة.
قصة أنا والخيال
كان سمير معروفًا بخياله الرحب، واشتهر باستخدام أبلغ العبارات وأعذبها. وبين يديه كوب القهوة الذي لا يكاد يستغني عنه، عاش لحظاته بين الخيال والواقع، مستمتعًا بعالم صنعته كلماته.
لكنه لم يكن يعلم أن تلك اللحظات الهادئة ستنقلب بعد قليل إلى واحدة من أكثر مراحل حياته قسوةً وغموضًا.
فقد كان هناك شخص ينظر إليه، بينما هو لا يراه، ويتمعن في حركاته بدقة لا مثيل لها. كانت النظرات تتسلل من خلف زجاج نافذة غرفته، في الوقت الذي كان فيه سمير غارقًا بين أسطره، وقد حملته كلماته إلى سماء صافية ووجه جميل.
وفجأة...
ظهرت أمامه لمعة عينين جعلته يشعر برهبة اللحظة.
توقف عن الكتابة، ورفع رأسه ببطء.
فهل ما يراه حقيقة؟ أم أنه أثر الجهد والتعب؟ أم أن للقهوة تأثيرًا جعله ينتقل بخياله من الجمال والرقة إلى الرعب والخوف؟
وبين أفكار متباينة تتصارع في رأسه، ظهرت شخصية تلك العينين اللتين تتلصصان عليه.
ثم ظهر الشبح الأبيض.
كان شبحًا لطالما جلس معه وراقبه، وشاركه شرابه وسريره وحتى ملابسه، دون أن يعلم سمير بوجوده. وكل ما كان يعرفه هو ذلك الثقل الغريب الذي كان يشعر به، دون أن يفهم مصدره.
وفجأة قال له الشبح الأبيض:
— وأخيرًا... جعلت نظراتي إليك تغيّر تفكيرك من الكتابة إلى اللمعان.
وبين الخوف والرعب والذهول والاستغراب، سمع سمير صوتًا لا يرى صاحبه ولا يشعر بوجوده إلا من خلال عينين لامعتين، وخيال يظهر فجأة ثم يختفي.
هل هذا حقيقي؟ أم أنه خيال؟
هذا ما خطر في بال سمير.
لكن السؤال الأقوى كان:
هل هناك أشباح تعيش معنا، وترى ما نفعل دون أن نراها؟ أم أنها أوهام خلقتها أفكارنا؟
لكن كيف يكون ذلك؟
فالحديث والسجال والعبارات قد نُطقت فعلًا.
أم أنها آثار ليل قاتم، وحفيف أشجار متحركة، صنعت في مخيلة سمير صورة الشبح الأبيض؟
وبين غرابة الأمر ورعبه، ظهر الصوت من جديد، يهمس في أذن سمير:
— ألا ترى أن خيالك الواسع أخفى عنك حقيقة الواقع الذي لطالما علمتموه، لكنكم أنكرتموه، أيها البشر الملعون؟
قفز سمير باتجاه زاوية أخرى، محاولًا أن يجعل من الحائط غطاءً له.
لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر رعبًا.
تطايرت أوراقه في كل مكان، وكأن الصوت قد اعترض على رفضه له.
صرخ سمير بصوت عالٍ، حتى سمعه من في البيت:
— توقف! توقف! إن كان همك أن تصيبني بالجنون!
وبعد صراع طويل مع نفسه ومع ذلك الصوت، استسلم سمير لفكرة أن من يتحدث معه حقيقة وواقع.
لكن هنا بدأ السؤال الثاني ينهش تفكيره:
من هذا الشبح؟ ولمن يعود؟ ولماذا جاء إليّ؟ وما الرسالة التي يرغب في إيصالها لي؟
كل هذه الأسئلة جعلته غارقًا في حيرة لا يجد لها مخرجًا، فهو لا يعرف إجابة عن سؤال واحد منها.
وفجأة ظهرت بعض الكتابات الغامضة على زجاج النافذة:
الحقيبة... الممر... الطريق... الشجرة... الفأس... دماء... دماء... دماء.
وكانت كلمة «دماء» مكتوبة بكثرة، حتى بدت كأنها صرخة صامتة لا تريد أن تتوقف.
وبعدها بدأت قطرات دم تتساقط من النافذة، وكأن أحدًا قد جُرح في يده.
لكن كيف؟
فالنافذة لم تُكسر، ولا يوجد شخص يدخل غرفته، ولا يظهر من خلف النوافذ سوى أخته التي اعتادت تنظيفها.
مرت الساعات، وقلب سمير ينبض بقوة أكبر من السابق، وأفكار تلاحقه بإلحاح لمعرفة ما الذي حدث في بيته وعلى نافذته.
وفجأة...
دخلت والدته.
وهنا بدأ الصراخ، مما أدى إلى تجمهر الجميع في مكان الصوت. وبينما كان سمير يحاول تهدئة والدته، تَسَمَّرَ الجميع أمام منظر الدم والكتابة.
لكن أحدًا لم يسمع صوت الشبح، ولم يرَ عينيه.
فكيف يستطيع سمير إقناع الجميع بوجود شيء غريب في غرفته؟!
وبين نقاش حاد ومحاولات لاختيار الألفاظ التي تقنع الجميع، طلب سمير من أفراد أسرته الخروج والتوجه إلى منضدة البيت، ليجلسوا جميعًا ويسرد لهم ما حدث.
وفعلًا، جلس الجميع في حالة من الذهول وعدم التصديق لما يقوله سمير.
لكن كيف لا يصدقونه، وهو معروف بصدقه وأمانته، رغم ما كان يسرده أحيانًا من حكايات ساخرة ومضحكة عن الجميع؟
وبعد انتهاء الحديث، وقفت أمه وقالت:
— سمير، أنت تقول الحق!
ساد الصمت، وبقي الجميع في ذهول من كلام والدتهم.
نظر حارث، شقيق سمير، إلى والدته طالبًا منها توضيح كلامها.
فقالت:
— نعم، إن كلام سمير صحيح. فمنذ خمسة وعشرين عامًا، كان في هذا البيت رجل كبير وابنته، وكانا في قمة السعادة، حتى ظهر نجار اتخذ مكانًا مقابل بيتنا هذا، وحدث ما حدث.
قال سمير بدهشة:
— ماذا؟ نجار؟! لا يوجد نجار! دكانه يقابل بابنا؟ مستحيل!
أيّد الجميع كلامه، لكن الأم كانت مصممة على قولها، وقالت:
— اجلب لي ألبوم صورك يا بني.
ذهب سمير نحو منضدته التي حدث بجانبها ما حدث، وأخرج من درجها كتابًا صغيرًا يمثل ألبومًا لصور قديمة جدًا.
وهنا...
بدأت الأم تقلب الصور، ثم توقفت عند صورة قديمة جدًا، تظهر دكانًا قريبًا من بيتهم، ويجلس داخله نجار. كانت ملامح وجهه مخيفة منذ الوهلة الأولى، لكن عند التمعن فيها بدا أنه شاب أنهكته ضغوط الحياة، فأخذت منه الدنيا ما هو أجمل من أن يُحكى ويُذكر.
نظرت الأم إلى الجميع وقالت:
— هذا هو جمال، النجار صاحب الدكان، وهذا دكانه.
نظرت هيفاء، شقيقة سمير، إلى الصورة وقالت بسخرية:
— الكلمة جميلة، لكنها لا تنطبق على صاحبها!
فضحكت، لكن الجميع ظل ينظر إليها وينبهها إلى أن وقت السخرية غير مناسب الآن.
فقال حارث:
— حسنًا يا أمي، عرفنا النجار ورأينا دكانه، لكن ما دخل سمير في الأمر؟ ولماذا هو بالتحديد؟ ومن كتب على نافذته؟ ولماذا لا نرى الشبح والعين والصوت؟
أيّد الجميع كلام حارث، ومن بينهم سمير.
وهنا قالت الأم:
— في عام 1988 تزوجت والدكم، وكان مثل أخيكم سمير؛ لا أحد يعرف سره إلا الله. وعلى الرغم من معرفته لي بأمانتي، فإنه كان يؤمن أن السر إذا خرج من الشخص لم يعد سرًا أبدًا.
لكن الفضول جعلني أراقب والدكم، ليس لمجرد الفضول، وإنما لخوفي على نفسي وعليكم؛ إذ كنت أشعر أن هناك مصيبة حدثت، ولم يذكرها لي والدكم.
ولكي تُقام عائلة وتبقى قائمة، يجب على الأب والأم أن يذكرا أسرارهما لبعضهما، حتى لا تُكشف بعد ذلك ويحدث ما لا تُحمد عقباه.
لذلك سردت لوالدكم كل أسراري، غير مبالية ولست خائفة؛ لأنني أعلم أنني لم أخطئ أبدًا، ولأن من يضع الله في قلبه لن يخذله.
فالصلاة التي أمرنا الله بها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإن صلح الإنسان صلح عمله، وهكذا كانت حياتي.
لكن، آهٍ من «لكن» التي منعتني من سرد ما علمت خوفًا عليكم.
لم أكن أعلم أن معرفتي بالظلم وسكوتي عنه ستبقى عبئًا يلاحقني.
والقصة كالتالي:
منذ أن حطّ النجار قدمه في هذه المنطقة، بدأ الجميع بالسخرية منه، وكان أولهم صاحب هذا الدار، الذي لم يكن ملكًا لنا، بل كان ملكًا لرجل تعيش معه فتاة في غاية الجمال والرقة والأدب.
لكن سوء أخلاق والدها جعل الشباب ينفرون من طلب يدها.
وكانت همس الصباح فتاةً لم تكن اجتماعية بطبيعتها، وإنما كانت الظروف التي أحاطت بها هي التي دفعتها إلى العزلة؛ فقد عانت التنمر والإساءة، وكان والدها يسيء إلى الجميع، مما جعل الناس يحملون عنها الفكرة نفسها، حتى إنهم منعوا فتياتهم من التعامل معها.
فكانت صديقاتها الشمس والقمر والنجوم، ونسيم الصباح الذي أشعل لسانها بأعذب الأشعار، وكانت تلقيها بصوت جميل يشعر النجار جمال وكأنه يستمع إلى سمفونية تنثر نغماتها فوق شلالات ماء متساقطة.
كان كل حرف من تلك النغمات يسقط على صخرة فيشكّلها كيفما شاء، بطريقة تذيب القلب عند رؤيتها.
وكأن النغمة تخلق خيالًا خصبًا للتعبير عن أجمل الأشعار، وترسم لوحات تعبّر عن قيمة الفن الذي يعكس قدرة الله تعالى وجمال خلقه.
كل هذا جعل جمال يصمم على رؤية صاحبة ذلك الصوت.
وبين لحظة وأخرى، كان يقتنص الفرص ليحقق مراده، حتى استطاع ذات يوم أن يراها.
وما إن رآها حتى تمسّك بقراره وعزم على الزواج منها.
وهكذا كانت الفتاة مثالًا للفتاة المطيعة لوالدها، الحامية لعرضه وماله ونفسه ونفسها.
وكانت دائمًا تغسل الباب الخارجي لبيتهم ليلًا، حتى لا يشاهدها أحد ويحاول كسر هيبة والدها بالتعرض لها أو شتمه أمامها.
لكنها لم تكن تعلم أن النجار جمال كان ينظر إليها من فتحة صغيرة، يراقبها لا تجسسًا عليها، وإنما بعدما سمع عنها وعن أخلاقها، فأراد أن يتقدم لخطبتها وينصفها من الدهر الذي خذلها، ومن أبٍ لا يهتم بمشاعرها.
وفعلًا، ما إن وجد فرصة للتحدث مع والدها حتى بدأ الاستعداد لاختيار الوقت والمكان المناسبين.
وبين تفكير وآخر، وجد والد همس الصباح أمامه، إذ تقدم نحوه لشراء حاجة من دكانه.
وبعد السلام والتعامل مع طلبه، نظر جمال إلى والدها وقال:
— عذرًا يا سيدي، هل أستطيع أن أتحدث مع جنابكم لبضع دقائق؟
فما كان من والدها إلا أن قال له بكل صلافة وجرأة:
— وماذا يطلب قبيحٌ مثلك، بهذا الوجه الملعون من الله وأرضه، من رجل مثلي أنعم الله عليه بكل ما يتمناه شخص مثلك؟!
تفاجأ جمال من كلامه وأسلوبه الخشن، لكنه لم يفكر في إجابته بالأسلوب نفسه، بل رغب في استخدام العقل والمنطق في التعامل معه.
وبعد أن أخبره بطلبه، ظهرت ملامح الغضب على وجه والد همس الصباح.
وبدأت الألفاظ التي لم يتمنَّ جمال أن يسمعها، وتجمهر الناس حول دكانه وهم يستمعون إلى إساءات والد همس الصباح.
وبدأ بعضهم يضع اللوم على جمال لاختياره هذا الرجل السيئ ليكون بمقام العم لها، ويقولون:
كيف يمكن الوثوق بفتاة، مهما بلغت من الجمال وحسن الخلق، إذا كان والدها يحمل أسوأ الأخلاق؟ ولولا موافقتها لما تمادى جمال في طلبه!
كان هذا رأي قسم من الناس.
أما الذين يذكرون الله في قلوبهم، ويعرفون أن الإنسان لا يحمل وزر غيره، فكانوا يرون أن همس الصباح من أفضل الفتيات خُلقًا وأخلاقًا، وأن أخلاق الأب لا يمكن أن تكون مقياسًا لأخلاق ابنته.
وهنا سمعت همس الصباح صرخات والدها، فما كان منها إلا أن ارتدت غطاء رأسها، ودخلت بين الجمهور، ثم سحبته إلى البيت في منظر مؤلم.
فبينما كان هو يضربها، كانت هي تقبّل يده، لتعكس أرقى صورة لعلاقة الأب بابنته، رغم قسوة الأب وما كانت تعانيه منه.
وهكذا عرفت همس الصباح بطلب جمال من خلال الصراخ الذي رنّ في آذان الجميع.
ومرت الساعات، والأب يصرخ ويسبّ ويستخدم أسوأ العبارات، بينما كانت الفتاة تنظر إليه بحزن وألم؛ بين فرصة سُرقت منها لتنقذ نفسها من هذا العذاب، وبين أبٍ لا يعرف قيمة ما يملكه من جوهرة غلّفتها الأيام بالكثير من الأتربة، وإن نُظفت بقيت آثارها عليها.
وهكذا كان أثر سلوك والدها، أثرًا لن ينساه أحد.
غادر الجميع، وهدأت القرية، وذهب كل واحد إلى مضجعه، إلا همس الصباح وجمال؛ فقد كان كل واحد منهما يفكر في الآخر دون علم الآخر.
وبدأت همس الصباح تترقب سماع صوت فتح باب دكان النجار جمال، بينما كان هو يترقب لحظة غسلها باب دارها، دون علم أيٍّ منهما.
وهكذا بدأ الحب يطرق بابهما دون استئذان.
ومرة، بينما كانت همس الصباح تصنع الخبز لوالدها، طُرق الباب.
تفاجأت وقالت في نفسها:
— من الذي يطرق بابنا؟ الجميع يكرهنا وينزعج من وجودنا!
وما إن فتحت الباب حتى رأت جمال يحمل والدها، وكانت ملابسه تحمل الكثير من الأوساخ، والدماء تسيل من جبينه.
بدأت بالصراخ، لكن جمال استطاع تهدئة الموقف وشرح لها ما حدث.
فقد تنمّر والدها على رجل كبير، لكن القدر هذه المرة وقف في وجهه؛ إذ لم يتهاون أولاد ذلك الرجل في أخذ حق أبيهم منه.
وهذا ما حدث.
نظرت إليه والدموع تسيل من عينيها، فجعلته يشعر وكأنها جمرات من نار تحرق قلبه.
لكنه أراد أن يمنعها من البكاء، ولم يجد إلى ذلك سبيلًا إلا بإنقاذ والدها من الأذى ومسح الدماء عن وجهه، وهذا ما طلبه جمال منها.
وفعلًا، تم الأمر، وأصبح جمال كثير الحضور إلى البيت للاطمئنان على والدها، لكنه في الوقت نفسه لم ينسَ الأصول والأخلاق؛ فكان يجلب معه إحدى النسوة التي تساعده، وكانت سندًا له، حتى لا يدخل البيت بمفرده.
ومرت الأيام، وأصبح أبو همس الصباح في أحسن حال، لكن ما كان يزعجه هو تهامس الجميع حول ابنته، وحديثهم عن جرأتها في إدخال رجل غريب إلى بيتها، رغم وجود المرأة العجوز.
ويومًا بعد يوم، تراكم الحقد والغيظ في قلبه تجاه ابنته، مما دفعه إلى اتخاذ قرار واحد، وهو أن يغسل عاره، كما كان يتوهم.
وهكذا بدأت الخطة.
في يوم مظلم، طلب والد همس الصباح من ابنته أن تحضر له بعض الأوراق من شجرة السدر التي لطالما استخدمها للعلاج، متخذًا من المرض حجةً لجعل ابنته تتوجه لجلبها.
لكن الحقيقة أن في عقله الكثير من الخطط التي أراد بها أن ينقذ نفسه من العار الذي توهّمه.
وفعلًا، ما إن ذهبت همس الصباح حتى سار خلسةً دون أن تشعر، حاملًا فأسًا بيده.
وما إن بدأت همس بقطع أوراق السدر حتى تلقت ضربة قوية من الخلف أردتها قتيلة.
فما كان من والدها إلا أن دفنها في الحفرة التي كان قد حفرها، ثم غطاها ببعض أغصان الشجر حتى لا يشعر أحد بما فعل.
وهكذا قُتلت همس الصباح دون أن يشعر أحد بجريمتها.
وحده جمال كان يفتقد وجودها، وظل على هذه الحال، والحسرة تصيب قلبه، حتى مات من شدة الحزن.
وعرف الناس بموته من الرائحة الكريهة التي انبعثت من دكانه، فما إن فتحوا الباب حتى وجدوه جثةً متعفنة.
وهكذا مات الاثنان بسبب وهم الأب، وبسبب مجتمع لا يرحم.
وبعد مرور خمسة وعشرين عامًا، ظهرت الدماء على نافذة سمير، وبدأت الكلمات الغامضة تقوده إلى حقيقة همس الصباح.
قال سمير:
— ولماذا أنا؟
أجابته أمه:
— لأنك في عمرها، وتفهم ظروفها، ولأنك تحب الشعر والانطواء، وتعيش شيئًا من حياتها.
وهكذا بدأ سمير رحلة البحث عن دليل ينقذ روحها المتعبة.
وبين مكان الدكان والبيت، استطاع سمير أن يثبت براءة همس الصباح مما قيل عنها، وذلك بعد أن وجد مذكرات جمال، التي كان يشرح فيها أخلاقها، وكيف كان يراها تنظف الباب الخارجي للبيت، وتختار الليل حتى لا يراها أحد، وتتخذ من قطع القماش غطاءً يسترها عن أعين المتجسسين عليها.
وكان جمال قد دوّن في مذكراته إعجابه بأخلاقها، وبقدرتها على حفظ كرامتها وكرامة أهلها، وبأنها لم تكن تبحث عن التمرد أو الخروج عن طاعة والدها، وإنما كانت تبحث عن حياة كريمة تحفظ فيها إنسانيتها.
وحين قرأ سمير تلك الكلمات، أدرك أن ما قيل عن همس الصباح طوال تلك السنوات لم يكن سوى ظلمٍ صنعته ألسنة الناس، وسوء فهم غذّته القسوة والظنون.
أما همس الصباح، فلم تكن متمردة، ولم تكن سيئة الخلق، ولم تكن كما وصفها المجتمع.
كانت فتاةً حاولت أن تبقى بارة بوالدها رغم قسوته، وأن تحافظ على كرامته رغم ظلمه، وأن تعيش حياتها دون أن تؤذي أحدًا.
وحين اكتملت الحقيقة، هدأت روحها.
اختفت العيون التي كانت تتجسس على سمير، ولم يعد الشبح الأبيض يظهر في غرفته، ولم تعد الدماء تتساقط على النافذة.
عاد الليل هادئًا كما كان.
وعاد سمير إلى منضدته، وأمامه كوب القهوة، وأوراقه التي كانت مبعثرة في بداية حكايته.
جلس طويلًا يتأمل ما حدث.
ثم أخذ قلمه وكتب:
«ليس كل ما يراه الإنسان خيالًا، وليس كل ما يسمعه وهمًا، فبعض الحقائق تدفنها الأيام، لكنها تبحث دائمًا عمن يملك الشجاعة ليكشفها.»
وأدرك سمير أن الخيال الذي كان يهرب إليه من واقعه لم يكن عدوًا له، بل كان طريقًا قاده إلى حقيقة حاول الزمن أن يطمرها.
أما همس الصباح، فقد بقيت قصتها درسًا في الوفاء والصبر والبرّ، وفي خطورة الظلم وسوء الظن، وفي أن الإنسان لا يُحاكم بأفعال غيره.
وهكذا انتهت حكاية همس الصباح، لا بانتصار الموت على الحياة، وإنما بانتصار الحقيقة على الظلم.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد سمير يخاف من خياله.
فقد عرف أخيرًا أن بعض الخيالات...
ليست أوهامًا، وإنما حقائق تنتظر من يكشفها.
معلومات مصدر القصة
الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
تيليجرام
فيسبوك
يوتيوب
انستجرام
تيك توك
ماسنجر
فايبر
بينتيريست
منصة X
ثريدز
تطبيقنا
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.

عزيزي المشاهد لا تترك الموضوع بدون تعليق وتذكر ان تعليقك يدل عليك فلا تقل الا خيرا :: كلمات قليلة تساعدنا على الاستمرار في خدمتكم ادارة الموقع ... ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )