📁 مشاركات منوعه

قصة أنا الفينيقُ شظايا النّارِ وقيودُ الجمالِ الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

في عالمٍ لا يُجيدُ سوى محاصرةِ النُّورِ، كُتِبَ عليَّ الخفاءُ لا لذنبٍ اقترفتُه، بل لأنَّ جمالي كانَ أثقلَ من أن تتحمَّلَهُ عقولُهم القاصرة. رفضتُ واقعهم المظلم، وأبيتُ أن أنحني لِقوالبهم البالية، فكان أن أثارَ حضوري سخطَ "مَهْرَاش"؛ ملك العتمة الكبرى، ذلك الحاكم الذي لا يقيم عرشه إلا على ركام الأرواح المطفأة.

قصة أنا الفينيقُ شظايا النّارِ وقيودُ الجمالِ


قصة أنا الفينيقُ شظايا النّارِ وقيودُ الجمالِ


ولم يكن "مَهْرَاش" مجرد حاكمٍ عاديّ، بل كان تجسيداً حياً لكل قانونٍ بالٍ وجدارٍ مائل. كان يقبع في قصرِه المصنوع من الحجارة السوداء، تحيط به هالة من الجمود والاحتراق الصامت؛ عيناه تشبهان رماداً تحته جمر آسن، يكره كل شيء يخرج عن طاعَة الظل. وحين وقفتُ أمامه شامخةً أرفض الخضوع، أدرك أن جمالي وفكري هما المعول الذي سيقوض مملكته.
غضب.. لا لأنه يحب العدل، بل لأن وجودي كان الفضيحة الكبرى التي تكشف عجز مملكته بأكملها، فألقى عليَّ لَعنةَ التحوُّلِ.. أراد أن يحطمني، فأنزل لَعنته ليحيلني إلى امرأةٍ نصفُها بشرٌ يحمل نبضَ الوجعِ، ونصفُها الآخرُ نارٌ حارقةٌ.
لكنه ما درى.. أنه بلسعي بنار الغضب، لم يقتلني، بل منحني أجنحة الفينيق التي لا تُقهر. حين غادرْتُ مقاعدَ الظلِّ، اشتعلتُ من الداخل.. لا لأحترقَ وأموت، بل لأبعثَ من جديدٍ طائراً أسطورياً يرفض الانكسار، أجعل من تلك النار جناحاً أطيرُ به نحو القمة التي تخيفهم.
لم تكن غفوة الفينيق على فوهة البركان سوى استراحة قصيرة لمحاربٍ أنهكه البحث عن وطنٍ يقرّ باختلافه. وما إن هدأ صخب الحمم، حتى ساد الجو صمتٌ مريبٌ، تخرقه أصوات حوافر حديدية تنهش أديم الأرض.
من بين ضباب العتمة وفي ذروة الأفق، ظهروا.. جنود "مهراش"، مبعوثو الظلام الذين أعمى بصائرهم طاعة الملك المستبد. لم تكن دروعهم مصنوعة من حديد فحسب، بل من صمت القرى المرعوبة ويأسها. أقبلوا يحيطون بالمكان، وكل واحد منهم يحمل في يده تميمة تعكس شؤم ملكهم، بينما كان "الحجر الناطق" في قصر العتمة يترجم لمهراش كل حركة ونبضة.
وقفتْ هناك.. بجناحيها الناريين اللذين لم يبردا بعد من حماية الأبرياء، ونصفها البشري الذي يختزن أوجاع السنين. لم يكن في عينيها خوفٌ، بل كان فيهما ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة، ذاك الهدوء الذي يخافه الطغاة أكثر من السيوف.
صاح قائد الجنود بصوت مجلجل يمزق سكون الليل: "أيتها الخارجة عن طاعة القواعد، الملك مهراش يأمرك بالركوع، وتسليم نارك قبل أن يُعيدكِ رماداً لا يُذكر!"
ابتسمتْ بهدوء، تلك الابتسامة التي تحمل مرارة الكلمات التي حرقت الآمال يوماً، ورددتْ بصوت يتردد صداه بين الجبال والوديان: "إنهم يظنون أن النار عقاب.. وما دروا أنها وطني الوحيد الذي لا يمكنهم احتلاله."
وفجأة، لم ترفرف للهرب، بل تقدمتْ نحوهم.. ليس لهجاء الشر بالشر، بل لتعلميهم أن القلب الذي حمى القرى من الحمم، قادرٌ على حرق طغيانهم بنور الحقيقة. انتفضت أجنحتها النارية، لتشتعل السماء بأسرها، لا لتدمير الأرض، بل لتضيء عتمة عقولهم العمياء.
وفي قصر العتمة، كان "مهراش" يتابع من خلال حجره الناطق، ليرى كيف تتحول نيرانه إلى طوفان من النور الذي لا يُقهر، ليدرك أخيرًا أن بعض القلوب أكبر من أن تكسرها لعنة، وأطهر من أن تدنسها عتمته.
وبدأ مهراش بتقطيع أجنحته العشرين إلى قطع متعددة ليخلق منها نسوراً كثيرة من نار وجمر؛ تحمل مناقير في داخلها ثعابين كثيرة، وفي أفواهها الكثير من الأحجار النارية والخناجر المسمومة، لتتحول إلى جيش مرعب يحاول النيل من العنقاء ذات الجمال المسلوب.
وهنا بدأت النسور بالرحيل بالاتجاه الذي حُدد لها، وما إن وصلت الجبل الذي يحمل بركاناً أحمر، حتى بدأت تبحث عن العنقاء. وما إن لمحت بريق عينيها اللامعتين حتى بدأت برمي الثعابين من مناقيرها لتتساقط كالأمطار على العنقاء، محاولة النيل منها بالخناجر المسمومة والأحجار الكبيرة النارية.
لكن عناية الله كانت لهم بالمرصاد؛ فقد استطاعت العنقاء النجاة من شرورهم. إذ ما إن تحركت من فوهة البركان، حتى بدأ الجبل يخوض حربه ضدهم بإرادة قوية، وبدأت البراكين تبلع ما تبلع من الأفاعي والثعابين، وترمي النسور بجمرات من النار لتسقطها صريعة. وما إن رأى مهراش هذا الحال، حتى خاب سعيه وأمرهم بالعودة والاستعداد بخطة جديدة.
بدأ الملك مهراش بالاستعداد للظهور في موقع المعركة بخطة جديدة؛ ومن هنا بدأت لعبته الخبيثة، إذ طلب من صخرته العجيبة أن تمنحه قوة التخفي والذهاب إلى العنقاء لمعرفة قوتها ونقاط ضعفها، من خلال تحوله إلى أحد البشر الكبار؛ لأنه يعلم تماماً مقدار عطفها ورحمتها بهم.
ومن هنا، تقدم ذلك الرجل إليها طالباً منها العون والمساعدة. وما إن تقدمت نحوه لتمدّ له يد العون، حتى بدأت المعركة بالغدر؛ إذ طعنها في قلبها ثلاث طعنات بخنجر مسموم، فسقطت على الأرض مفارقة الحياة!
بهذا، ظن الملك مهراش أنه فاز في معركته وأنهى أمرها، لكنه غفل عن أن نور الله أقوى وأجلّ؛ فقد منح الله تعالى البراكين صفةً لم يحملها جند من جنوده، ألا وهي إعادة بناء ما يموت بأمره تعالى. فما كانت لقدرة الله من رادع؛ إذ استطاع السائل الحار الساري على جسم العنقاء أن يشفي ما زرعه الحقد دون أن يعلم زارعه، فامحى ما طبع على جسمها من آثار الأذى. وسارت بخطوات واثقة نحو مكان البركان، في كهفٍ لا يعلمه إلا البركان ليحميها من الغدر، وليستعيد جسدها الشفاء ولتناضل من جديد.
ومرت الأيام والملك يظن أنه قضى على الخير ولن يعود أبداً، وفجأة.. بدأت صخرته الناطقة بالصراخ!
وهنا قفز مهراش باتجاه الصخرة لتفتح له مرآتها، فتبين له نور ساطع من كهف يحميه بركان مؤمن بأن للغدر جولة وللحق جولات ينتصر فيها. استشاط الملك غضباً عندما رأى ما لم يكن يعجبه أبداً، فبدأ بالبحث عن وسيلة للقضاء عليها هذه المرة دون نجاة أو مساعدة. ففكر بطرق شتى لم يستطع تحقيقها، وهنا قالت الصخرة: "خذ هذه السحلية؛ فهي صغيرة بجسمها، كبيرة بعقلها."
نظر الملك إلى الصخرة قائلاً بسخرية: "لقد هزمت العنقاء جنوداً لا قبل لجيوش على مقاومتها، أيعقل أن تهزمها هذه السحلية؟!"
قالت الصخرة بحكمة مخيفة: "لا تستهين بدهائها؛ فهي من أوقع بالكثير وتخلصت منهم بلسانها، فآفة اللسان لدغات لا يعلمها غير من قُتل به."
سكت الملك مستسلماً لكلام الصخرة لما وجده فيه من منطق وواقع: "فإن أردت هزم جيش، فاجعل اللسان ينطق بالإشاعات والأخبار الكاذبة، وأيضاً اجعل لسان المرأة في أي معركة سلاحاً مدمراً، فلفظها نار على الجميع لما يحويه من مخاطر المعلومات والأسرار."
وهنا توجهت السحلية نحو البركان دون أن تجعل أحداً يعلم دوافعها، واستمرت جليسة البركان تحمي نفسها من الخطر تحت غطاء هذه الحيلة، وهو ما ذكرته لمهراش ليقتنع دون أن تظهر أهدافها الحقيقية. ومرت الأيام والأسابيع والسحلية في مكانها، متظاهرة بالاسترخاء وغير مهتمة بما يحدث حولها، بينما كانت تحفر نفقاً خفياً من الأكاذيب!
لم تكن الإشاعة وليدة فراغ، بل وُلدت من رحم محنة قاسية؛ فقد فاض النهر فجأة ليهدم أسوار بيوت الناس ويتركهم بلا مأوى. وفي الوقت الذي كان فيه أهل القرى ينتظرون هبتي لمساعدتهم في البناء وإعادة ما دمره السيل، كان جسدي المتعب لا يزال يصارع آثار الطعنات الغادرة والسموم التي زرعها مهراش، مما منعني من الحركة.
من هنا، وجدت "السحلية" بابها المفتوح ودخلت بخبث. تسللت بين الحطام والبيوت المنهكة، وبدأت تنفث سمومها في مجالس الحزن واليأس. كانت تقف بين الأهالي المصدوعين وتقول بصوت خافت يقطر نفاقاً: "أترون ما حلّ بكم؟ أين تلك التي زعمتم أنها تحميكم؟ لقد نسيتكم حين اشتدت الحاجة إليها، واختفت خلف جدران بركانها بينما أنت تلملمون حطام بيوتكم وحدكم! إنها لا تبحث عنكم إلا حين تحتاج لهتافاتكم، أما في الشدائد.. فلا ترون لها ظلاً!"
بدأت كلمات السحلية تتغلغل في النفوس المتعبة، فالقلوب المكسورة جراء السيل كانت أسرع عرضة للشك، وبدأت الغيوم السوداء تتجمع فوق الثقة القديمة بين القرى وبيني. وفي قصر العتمة، كان مهراش يراقب الصخرة الناطقة وهي تنقل له كيف يتسرب السم ببطء إلى عقول البشر، فابتسم باسترخاء، ظناً منه أن بناء الوعي أسهل هدماً من بناء الحجارة.
لكن الكهف البركاني لم يكن غافلاً؛ فبرغم قسوة الألم وعجز الجسد المؤقت، كانت أنفاسي تدرك أن المعركة لم تعد على الأرض، بل في القلوب التي تخطط السحلية لتدميرها.
ومضت الأيام والسم يتسرب شيئاً فشيئاً، حتى بدا أن القرى على وشك تصديق تلك الأكاذيب. لكن النور الحقيقي لا يمكن أن يدفنه الرماد طويلاً. في تلك الليلة، وبينما كانت السحلية تجهز طعنتها الكلامية الجديدة في وسط الساحة، اهتزت الأرض هزة خفيفة لا تخيف، بل توقظ القلوب. ظهرتُ من بين سحب البخار والبركان.. لم أكن قوية الجسد تماماً بعد، فقد كانت آثار الطعنات الثلاث واضحة على محياي، وكان بطؤي في المشي دليلاً على حجم المعاناة التي مرت بي، لكن عينيّ كانتا تنطقان بالصدق والنقاء.
وقفتُ أمام أهل القرى الذين غشيت وجوههم نظرات الخجل والتردد، ولم أصرخ فيهم غضباً، بل فتحت جناحيّ لأكشف لهم جراحي البليغة.. جراح الغدر الذي طعنني في الوقت الذي ظن فيه الجميع أنني بعيدة عنهم.
قلتُ بصوتي الذي يشبه هدير الحمم البعيدة، لكنه يقطر حناناً: "يا أهلي.. لم أتخلَّ عنكم يوماً، ولولا طعنات الخذلان التي تلقتها روحي قبل جسدي، لكُنت أول من حمل الحجارة معكم لبناء بيوتكم. النيران التي أحملها لم تكن يوماً لتخويفكم، بل لتفديكم.. واليوم، تقف بينكم من تستغل دموعكم لتزرع في قلوبكم الشك والفرقة."
التفتُّ بنظرة حارقة نحو الزاوية التي تختبئ فيها السحلية، فالتوت السحلية برعب واختفت بين الشقوق هاربة، بعد أن انكشف قناعها وسقطت أوراق لعبتها الخبيثة أمام الجميع.
أدرك أهل القرى حينها حجم الخديعة، وتهاوت سحب الشك كما يتهاوى سد من الرمل، ليعود الوعي والنقاء إلى صدورهم، متجمعين حولي باعتذار ودموع، ومدركين أن القلوب النقية لا تهزمها إلا ألسنة الخداع، وأن الحق وإن طال غيابه، لا بد أن يشرق نوره من جديد.
أما الملك مهراش، فلم تشفع له قوته حين حاق به عقاب الله؛ إذ لما عجزت السحلية عن بلوغ مرادها وقتل عدوها، دارت بخبثها لتتوجه نحو من فرض عليها الدمار. وبينما كان الملك واقفاً يشتعل غضباً ويحاسبها بقسوة على فشلها، اقتربت منه بخفة، فنفخت في وجهه سمّها القاتل الذي غطى ملامحه الممتلئة بالحقد والكراهية.
صار ذلك السم حجاباً مانعاً له عن التنفس والحركة، فعجز عن الدفاع عن نفسه بالرغم من جبروته الوهمي. وهكذا سقط الملك مهراش صريعاً بيد من استخدمها، تاركاً مملكته فارغة لا يحميها سوى إرادة الله.
ليثبت للجميع عبر الزمان: أن الظلم وإن دام ساعاتٍ، فإن العدل دوامه أبديّ لا ينتهي.(خاتمة القصة: نافذة على الحكمة)
وهكذا، انقشعت عتمة الظنون، وسقطت عروش الطغيان التي بنيت على ركام الأكاذيب. علّمتنا حكاية الفينيق أن النيران الحقيقية ليست تلك التي تحرق وتدمر، بل التي تضيء دروب البصيرة وتفدي الأرواح. فمهما اشتدت فتن الزمان، وتكالبت ألسنة الخداع في ساعات الشدة، يبقى الحق أصلب من صخور اليأس، وتظل قلوب الأحرار منارةً لا توهنها عواصف الغدر. وإن ظنّ الظالم أن بطشه دائم، فليعلم أن عدالة السماء لا تفشل قط، وحين ترتد أدوات الشر على أصحابها، يتبخر الباطل كسراب، ليشرق العدل الإبدي ناصعاً لا يخفت له نور.
معلومات مصدر القصة 

الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين

👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
انضم الآن
تيليجرام
انضم الآن
فيسبوك
متابعة
يوتيوب
اشتراك
انستجرام
متابعة
تيك توك
متابعة
ماسنجر
انضم
فايبر
انضم
بينتيريست
متابعة
منصة X
متابعة
ثريدز
متابعة
تطبيقنا
تحميل
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.
تعليقات