📁 مشاركات منوعه

قصة ما بين السطور الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

 حين تكشف المواقف وجوهًا أخفتها الثقة


قصة ما بين السطور الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف ثانوية المتميزين للبنين

احتار قلمي، أو لعل الأدق أن أقول: احتارت أناملي، في اختيار الكيفية التي أبدأ بها هذا المقال؛ فالجوف ممتلئ بالكثير من الأسطر والعبارات، وكل عبارة منها تبحث عن موضعٍ لها بين الكلمات. لم أكن أعلم أيّها أختار كي تصل إلى القارئ وتترك في نفسه أثرًا، وأيّها أتركها جانبًا.
فتساءلت: هل أدخل إلى صلب الموضوع مباشرة؟ أم أسطّر عباراتٍ بليغة تمهّد للفكرة، وتجعل من المقال رسالةً تحمل هدفًا ينتفع به الجميع؟
لم أرغب في كتابة أسطرٍ متكررة، أو عباراتٍ اعتاد القارئ المرور عليها دون أن يتوقف عند معناها؛ بل كنت أبحث عن كلماتٍ تحمل فكرة، وعن معانٍ تستطيع أن تلامس شيئًا في داخل كل من يقرأها.
وبينما كنت أبحث عن تلك الكلمات، وجدتني أتوقف عند فكرةٍ لطالما شغلتني، فكرةٍ قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في أعماقها الكثير من التجارب والخذلان:
الثقة.
تلك الثقة التي تمنحها لإنسانٍ تظنه جديرًا بها، وتتصور أنه من خيرة الناس، ثم تفاجأ، بعد موقفٍ أو تجربة، أنك ربما اخترت الإنسان الخطأ.
فنحن جميعًا نجهل بواطن البشر، ولا نستطيع أن نرى ما تخفيه النفوس خلف الوجوه والكلمات. قد يجعلك أحدهم تشعر بأنه إنسانٌ صالح، محبّ، وفيّ، فتطمئن إليه، وتفتح له أبوابًا في قلبك لم تفتحها لغيره، ثم تأتي المواقف لتكشف لك وجهًا آخر لم تكن تعرفه.
هناك، تدرك أن الإنسان لا يُعرف بكثرة كلامه، ولا بحسن مظهره، ولا بطول مدة معرفتك به؛ وإنما يُعرف حين تضعه الحياة أمام موقفٍ حقيقي.
فكم من صفعةٍ تلقيناها ممن وثقنا بهم، لكنها لم تكن صفعةً على الوجه، بل كانت كلمةً جارحة، أو فعلًا مؤلمًا، أو موقفًا كشف لنا حقيقةً لم نكن مستعدين لرؤيتها.


لكن السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا بعد كل خيبة هو:
هل اتعظنا؟
فهنا تكمن العبرة من الخطأ.
فالإنسان يتعرف في حياته إلى أشخاصٍ كثيرين، لكن هل أتقن فعلًا اختيار صديقه؟ وهل استطاع، بعد مرور فترةٍ طويلة من الصحبة، أن يعرف حقيقة من يجالسه؟ وهل عرف نوع السم الذي قد يُلقى إليه؟
قد يكون السم كلمةً، وقد يكون فعلًا، وكلاهما قادرٌ على أن يترك أثرًا عميقًا في النفس، لكن الأسوأ من الكلام والفعل هو السكوت عن الأذى، والاستمرار في منح الثقة لمن أثبت أنه لا يعرف قيمتها.
لقد كنت أظن أن الأيام التي عشتها علّمتني الكثير من الدروس، لكنني أدركت في الحقيقة أن تلك الدروس لم تمرّ بي عابرة؛ بل تركت في داخلي الكثير من الندبات التي لم تكن تُرى، لكنها كانت تذكّرني في كل مرة بأن بعض التجارب لا تنتهي بانتهاء أحداثها، وإنما تبقى ساكنةً في أعماقنا، تعيد تشكيل نظرتنا إلى الناس، وإلى الثقة، وإلى الأشياء التي كنا نظن يومًا أننا فهمناها جيدًا.
كنت أظن أن مرور الوقت كفيلٌ بأن يمحو أثرها، ثم اكتشفت أن بعض الجروح لا تحتاج إلى أن تُنسى، بل تحتاج إلى أن نفهم لماذا حدثت، وماذا تركت فينا، وماذا علّمتنا عن أنفسنا قبل أن تعلّمنا عن الآخرين.
فليست كل ندبةٍ دليل ضعف؛ بعضها شهادةٌ على أننا مررنا بما كان قادرًا على كسرنا، ومع ذلك واصلنا الطريق.
ولأن القصص التي مرّ بها أناسٌ كثيرون تكشف لنا معادن البشر، فإنني أروي هذه القصة؛ قصةً قد تبدو في ظاهرها عن غابةٍ وحيواناتٍ مفترسة، لكنها في حقيقتها تتحدث عن شيءٍ أخطر: الإنسان حين تكشفه المواقف.
حكاية الغابة
في يومٍ من أيام الشتاء القارس، كان رجلٌ يعيش في بيتٍ بعيد، تحيط به أشجارٌ كثيفة من كل جانب، بالقرب من غابةٍ اشتهرت بين الناس بخطرها وغدرها؛ فقد كانت الحيوانات المفترسة تجوب أرجاءها، حتى أصبح الاقتراب منها أمرًا يثير الخوف في النفوس.
كان كثيرٌ من الناس قد هربوا من تلك المنطقة بعد أن عانوا فيها لحظاتٍ من الرعب، وتناقلت الألسن حكاياتٍ كثيرة عن أخطار الغابة، حتى أصبح اسمها وحده كافيًا لإثارة الخوف.
وفي أحد الأيام، حضرت إلى الغابة مجموعةٌ من الشباب الذين قرروا السفر إليها لرؤية جمال الطبيعة واستكشاف ذلك المكان الذي طالما سمعوا عنه.
كان عددهم خمسة شبان، جمعهم حب المغامرة، لكنهم لم يكونوا متشابهين في طباعهم، وإن بدوا كذلك في بداية الرحلة.
كان بينهم صديقٌ وفيّ لا يتردد في مساعدة غيره، ومتسرعٌ لا يحسب عواقب أفعاله، وأنانيّ اعتاد أن يرى مصلحته قبل كل شيء، وشابٌ هادئ قليل الكلام، يراقب ما حوله أكثر مما يتحدث.
حملوا ما يحتاجون إليه من طعامٍ وملابس، وانطلقوا نحو الغابة في صباحٍ غائم. كان البرد يلسع وجوههم، والرياح تحرك أغصان الأشجار كأنها تحاول أن تحذرهم من شيءٍ لا يرونه.
وكلما توغلوا في الغابة، بدأت أصوات المدينة تختفي خلفهم، وحلّ محلها صوت الريح وحفيف الأشجار، حتى وجدوا أنفسهم أمام طريقٍ ضيق تحيط به الأشجار من الجانبين.
قال أحدهم ضاحكًا:
«يبدو أن الحكايات التي سمعناها عن هذه الغابة مجرد مبالغات.»
لكن الشاب الهادئ لم يبتسم، وقال:
«لا تستهينوا بالمكان، فليس كل ما نجهله غير موجود.»
واصلوا سيرهم، وقبل أن يحل المساء بدأت الثلوج بالتساقط بغزارة، وأصبحت الرؤية ضعيفة، فعادوا يبحثون عن مكانٍ يحتمون فيه.
وبينما كانوا يسيرون، لمحوا من بعيد ضوءًا خافتًا يتسلل بين الأشجار.
اقتربوا بحذر، فإذا به بيت الرجل الذي عاش وحيدًا في أطراف الغابة.
طرقوا الباب، ففتحه الرجل بعد لحظات، ونظر إليهم بدهشة.
قال أحد الشباب:
«نحن مسافرون، وقد باغتنا الثلج، ونحتاج إلى مكانٍ نحتمي فيه حتى يهدأ الطقس.»
نظر الرجل إليهم لحظات، ثم فتح الباب وقال:
«ادخلوا، فالليل في هذه الغابة ليس آمنًا.»
دخل الشباب، وأشعل الرجل النار في المدفأة، وقدم لهم الطعام والشراب، ثم أخبرهم أن البقاء في الخارج بعد حلول الظلام قد يعرّضهم للخطر.
وفي تلك الليلة، جلسوا حول النار يتحدثون، وسأل أحدهم الرجل:
«كيف تستطيع العيش هنا وحدك، مع كل ما يقال عن هذه الغابة؟»
ابتسم الرجل وقال:
«ليس المكان وحده ما يخيف الإنسان يا بني، بل أحيانًا من يرافقه هو الخطر الحقيقي.»
لم يفهم الشباب معنى كلامه في ذلك الوقت، وظنوا أنه مجرد حديث رجلٍ اعتاد الوحدة.
لكن بعد منتصف الليل، استيقظوا على أصواتٍ غريبة قادمة من الخارج.
اقترب أحدهم من النافذة، فرأى بين الأشجار عيونًا تلمع في الظلام.
صرخ:
«هناك حيوانات!»
عمّ الخوف المكان، وبدأت أصوات العواء تقترب شيئًا فشيئًا.
قال الرجل:
«لا تفتحوا الباب مهما حدث.»
جلس الجميع في أماكنهم، لكن أحد الشباب أصابه الهلع، وبدأ يبحث عن مخرج.
قال لصديقه:
«علينا أن نهرب قبل أن تصل إلينا.»
أجابه:
«وأين سنذهب؟ لا نعرف الطريق، والخروج الآن يعني الموت.»
لكن الخوف جعل أحدهم يتصرف بأنانية؛ فأمسك بمصباحه وحاول فتح الباب ليهرب وحده.
أمسكه صديقه ومنعه، فتشاجرا، وسقط المصباح على الأرض وانطفأ.
وفي تلك اللحظة، سمعوا صوتًا قويًا عند الباب، ثم بدأ شيءٌ ما يخدش الخشب بمخالبه.
تراجع الجميع إلى الخلف.
أما الرجل، فبقي ثابتًا، وأخذ قطعةً من الخشب ووضعها أمام الباب، ثم قال بهدوء:
«اهدؤوا... الخوف يجعل الإنسان يتصرف دون أن يفكر.»
مرت دقائق طويلة بدت لهم كأنها ساعات، ثم بدأت الأصوات تبتعد شيئًا فشيئًا.
وحين طلع الصباح، خرج الرجل ليتفقد المكان، فوجد آثار الحيوانات تحيط بالبيت.
عاد إليهم وقال:
«لقد كنتم في خطرٍ حقيقي الليلة.»
نظر الشباب إلى بعضهم، وقد تغيرت نظراتهم.
فقد اكتشف كل واحدٍ منهم شيئًا لم يكن يعرفه عن الآخر.
أما الشاب الذي حاول الهرب وحده، فجلس صامتًا، فقد أدرك أن الخوف كشف فيه جانبًا لم يكن يريد لأصدقائه أن يروه.
اقترب منه صديقه وقال:
«الليلة لم نكتشف خطورة الغابة فقط... اكتشفنا أنفسنا أيضًا.»
رفع الشاب عينيه إليه، ولم يجد ما يقوله.
وقبل أن يغادروا، وقف الرجل عند باب منزله وقال لهم:
«تذكروا شيئًا واحدًا؛ قد تعيشون سنواتٍ مع إنسان وتظنون أنكم عرفتموه، لكن موقفًا واحدًا قد يكشف لكم منه ما أخفته سنوات الصحبة. لذلك لا تجعلوا طول المعرفة وحده مقياسًا للثقة؛ فالمواقف هي التي تمنح الإنسان شهادته الحقيقية.»
شكر الشباب الرجل، ثم غادروا الغابة.
وفي طريق العودة، لم يتحدثوا كثيرًا.
كان كل واحدٍ منهم غارقًا في التفكير.
لم تعد الغابة بالنسبة إليهم مجرد مكانٍ مخيف تحيط به الحيوانات المفترسة؛ لقد أصبحت درسًا لن ينسوه.
فقد أدركوا أن الإنسان قد يخاف من وحشٍ يراه أمامه، لكنه قد لا ينتبه إلى الخطر الذي يسير بجانبه مبتسمًا.
ومنذ ذلك اليوم، تغيرت نظرتهم إلى كثيرٍ من الأشياء.
عرفوا أن الصديق الحقيقي لا يظهر حين تكون الطرق آمنة، وإنما حين تضيق بك الطرق.
وعرفوا أن الثقة ليست كلمةً تُمنح بسهولة، وأن المواقف وحدها قادرة على كشف ما تخفيه القلوب.
أما الرجل الذي عاش وحيدًا في الغابة، فقد بقي في بيته كما كان، يراقب الأشجار من نافذته، وكأنه يعرف سرًا لم يعرفه أولئك الشباب إلا بعد أن عاشوا التجربة بأنفسهم:
ليست كل الغابات مليئةً بالوحوش، وليست كل الوحوش تسكن الغابات.
وربما كانت تلك هي الحقيقة التي احتاجوا إلى معرفتها منذ البداية؛ فبعض المخاطر نراها بأعيننا فنحذر منها، وبعضها يسير إلى جوارنا في هيئة صديق، فنمنحه ثقتنا دون أن نعرف حقيقته.
ولعل أصعب الدروس ليست تلك التي نتعلمها من الآخرين، بل تلك التي نتعلمها بعد أن ندفع ثمنها من قلوبنا.
لهذا، قد لا تكون الندبات التي تركتها الأيام في داخلنا عبثًا؛ ربما جاءت لتعلّمنا أن الثقة لا تُمنح لمجرد الكلمات، وأن الصداقة لا تُقاس بطول السنين، وأن الإنسان لا يُعرف حين تكون الحياة هادئة، بل حين تأتي اللحظة التي تسقط فيها الأقنعة.
فما بين السطور لا نقرأ الكلمات وحدها؛ بل نقرأ ما تخفيه المواقف، وما تكشفه الأيام، وما تتركه التجارب في أرواحنا.
معلومات مصدر القصة 

الكاتبة : المدرسة سوسن لطيف / ثانوية المتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
انضم الآن
تيليجرام
انضم الآن
فيسبوك
متابعة
يوتيوب
اشتراك
انستجرام
متابعة
تيك توك
متابعة
ماسنجر
انضم
فايبر
انضم
بينتيريست
متابعة
منصة X
متابعة
ثريدز
متابعة
تطبيقنا
تحميل
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.
تعليقات