📁 مشاركات منوعه

قصة رَحِيقُ الحَنِينِ بَيْنَ دُخَانِ الرَّمَادِ | مستوحاة من رسمة الست سهير رزاق التميمي

في غرف البيت الطويلة، وبين أثاثٍ تراثيٍّ غطّاه غبار السنين، وقفت سَحَر تتأمل المكان بصمت.

قصة رَحِيقُ الحَنِينِ بَيْنَ دُخَانِ الرَّمَادِ


كان البيت مهجورًا منذ زمن، لكن جدرانه لم تكن تبدو ميتة كما يظن من يراه لأول مرة؛ فقد كانت كل زاوية فيه تحمل أثرًا من حياةٍ مضت، وكل قطعة أثاثٍ قديمة تبدو وكأنها تحفظ سرًّا لا تريد أن تكشفه.
مرّرت سحر يدها فوق خزانة خشبية عتيقة، فنفضت عنها طبقة من الغبار، وظهرت تحتها ملامح نقشٍ قديم كانت تعرفه جيدًا.
توقفت للحظة.
وعاد بها المكان إلى سنوات بعيدة...
سنواتٍ كانت فيها هذه الغرف عامرةً بالحياة، وكانت الضحكات تتردد في أرجائها، وكانت ثلاث نساء يعشن تحت سقف واحد، يجمعهن الحب أكثر مما تجمعهن صلة الدم.
كانت هناك أمٌّ مقعدة، أنهكها المرض، لكنها لم تشعر يومًا بأنها وحيدة؛ فقد كانت إلى جانبها ابنتاها سحر ولميس.
كانت الأختان مختلفتين في طباعهما، وربما في بعض ملامحهما، لكنهما كانتا متشابهتين في شيء واحد: حبهما لأمهما وحرصهما عليها.
تقاسمتا معها أيامهما، وخدمتاها بكل ما تستطيعان، حتى أصبحت الأم ترى في ابنتيها عكازًا تستند إليه، وسندًا يعوضها عن كثير مما فقدته في حياتها.
أما سحر ولميس، فلم تكونا تريان في رعايتها عبئًا.
كانتا تؤمنان أن للأم فضلًا لا يُنسى، وأن برّها وطاعتها من أعظم ما يمكن أن تقدماه لها.
وحين كانت أحاديث الزواج تصل إلى مسامعهما، كانت كل واحدة منهما تصمت، وكأن هناك أمرًا أهم من أحلامها الشخصية.
لم تكونا ترفضان الحياة...
لكنهما كانتا تؤجلان أحلامهما من أجل امرأةٍ أفنت عمرها من أجلهما.
وكانت الأم تعرف ذلك.
كانت تنظر إليهما أحيانًا بعينين تملؤهما المحبة، وتحاول أن تخفي خوفًا يسكن قلبها؛ خوفًا من أن يأتي يومٌ لا تستطيع فيه ابنتاها أن تبقيا إلى جوارها.
ومع ذلك، مرت الأيام جميلة.
كانت قسوة الحياة تحيط بهن من الخارج، لكن البيت من الداخل كان عالمًا صغيرًا من الأمان والدفء.
حتى فقدن والدهما، فازداد تعلقهن ببعضهن، وأصبح البيت ملاذهن الوحيد.
لم تكن سحر تعرف آنذاك أن أجمل أيام حياتها كانت تمضي بهدوء نحو نهايتها.
ولم تكن لميس تعرف أن بعض اللحظات العادية التي نعيشها كل يوم قد تصبح، بعد سنوات، أثمن ما نتمنى استعادته.
أما ذلك البيت...
فلم يكن الناس يسمونه باسمه القديم.
كانوا يطلقون عليه اسمًا غريبًا:
«دُخَانُ الرَّمَادِ».
لم تعرف سحر متى بدأ الناس يستخدمون هذا الاسم، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا...
أن وراءه حكاية.
حكاية لم يكن أحد يحب الحديث عنها.
وحين عادت سحر إلى البيت بعد سنوات، لم تكن تبحث عن أثاثٍ قديم، ولا عن ذكرياتٍ مضت...
كانت تبحث عن إجابةٍ واحدة:
كيف تحوّل البيت الذي كان يومًا مليئًا بالحياة إلى مكانٍ لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه؟
رفعت سحر عينيها نحو آخر الممر.
هناك، خلف ذلك الباب القديم، بدأت الحكاية التي حاول الجميع دفنها مع السنين.
وكان عليها أن تفتح الباب...
مهما كان ما ينتظرها خلفه.
تذكرت سحر أختها لميس، وضفيرتها الصفراء، وملابسها البغدادية الجديدة، وحلقها الكبير الذي كانت تحب أن ترتديه دائمًا، بالرغم من ثقله الذي كان يؤلم أذنيها، إلا أنها كانت تغويها الأناقة أكثر من الألم، وتحب المرح أكثر من الحزن.
هكذا كانت لميس؛ رائعةً، تأخذ روحها المرحة وجمالها من اسمها الذي يحمل معنى الرقة واللطف في التعامل.
هكذا نشأت لميس...
لكن، واهٍ من هذه الكلمة التي توجع القلب!
فكلما كانت سحر تلمس حاجةً من حاجات البيت، تذكرت حدثًا مرّ بها مع لميس وأمها.
ففي يومٍ من أيام الخريف المتقلب الأوضاع، تارةً تتساقط أوراقه، وتارةً تهبّ رياحه الباردة، وتارةً يهطل مطره، وتارةً يعود حرّه، حتى بدا وكأنه جمع عوامل الفصول الأربعة في فصلٍ واحد.
لكن الذي كان يميّزه أنه الفصل الذي يجتمع فيه الجميع ليلتقوا ويتسامروا.
فعلى الرغم من مشقة العمل الذي كان على عاتق سحر ولميس، إذ كانتا تتنقلان من مزرعةٍ إلى أخرى للحصول على عملٍ يناسب قدرتهما، فإنهما كانتا تجتمعان مع والدتهما في ظهيرة اليوم.
أما الخريف، فكان عطلتهما من العمل في المزارع، حيث تجمعان أرزاقهما مثل النمل.
إلا أن الاختلاف بينهما وبين النمل كان في الغاية؛ فالنمل يجمع رزقه لشتاءٍ يحوي سبات الحياة، أما سحر ولميس فقد اتخذتا من الخريف سباتًا لهما.
ولم تعلما أن هذا الفصل سيكون القشة التي كسرت ظهر البعير.
كانت لميس محبةً للزي البغدادي منذ صغرها، وكانت ترى فيه شيئًا يتجاوز الثوب والزينة.
كانت تحب ألوانه، وتفاصيله، وطريقة ارتدائه، وكانت تحب حلقها الكبير الذي اعتادت أن ترتديه معه، حتى وإن أثقل أذنيها وآلمهما.
وحين حضرت إحدى الفرق التي تعمل في الفن البغدادي والتراثي إلى منطقتهم، وقفت لميس تراقبها طويلًا.
كان المشهد أمامها أشبه بحلمٍ خرج من ذاكرتها إلى الواقع.
تأملت الفتيات وهن يرتدين الزي البغدادي، وتخيلت نفسها بينهن.
ومنذ ذلك اليوم، عاد إليها حلمٌ قديم كانت تخبئه في قلبها.
كانت تريد أن تنضم إلى فرقةٍ تعمل في هذا المجال، وأن ترتدي الزي الذي أحبته، وأن تعيش ذلك العالم الذي لطالما جذبها.
لكنها كانت تعرف أن خلفها أمًّا أفنت عمرها من أجلها، وأختًا شاركتها كل ما مرّ بهما من تعبٍ وحرمان.
وكانت سحر تعرف أن في قلب لميس شيئًا لم تقله.
ومع تحسن صحة الأم، وبدء شفائها من المرض، شعرت لميس أن الحلم الذي أجلته طويلًا أصبح أقرب من أي وقت مضى.
وفي أحد الأيام، ذهبت إلى دولابها.
فتحته ببطء، وأخذت تنظر إلى الزي البغدادي الذي احتفظت به بعناية.
ثم أخرجت حلقها الكبير.
ظلت تنظر إليهما طويلًا.
كان الحلم قريبًا...
قريبًا جدًا.
ثم رفعت عينيها نحو صورة والدتها.
وبجانبها صورة سحر.
توقفت.
شعرت بغصةٍ في قلبها، وانهمرت الدموع من عينيها.
كانت ممزقةً بين حلمٍ طال انتظاره، وبين صلة رحمٍ ترى واجبها تقديسها واحترامها.
نظرت إلى الزي مرةً أخرى.
ثم إلى صورة أمها وأختها.
وضمت الزي إلى صدرها.
لم تكن لميس تكره حياتها، ولم تكن تنكر فضل أمها وأختها، لكنها كانت تشعر أن حلمها يناديها.
حلمٌ ظل قريبًا من قلبها سنوات طويلة.
وبين الحلم والواجب، بقيت لميس حائرة.
أما الأم، التي بدأت تستعيد عافيتها، فلم تكن تعلم أن شفاءها سيمنح ابنتها فرصةً طالما انتظرتها.
وكان هناك جارهم حميد، الذي كان محبًا للميس، راغبًا في القرب منها بالحلال.
كان يحمل لها في قلبه محبةً صامتة، وينتظر الوقت المناسب ليطرق بابهم بالطريق الذي يرضي الله.
ولم يكن يعلم أن القدر كان يخبئ له شيئًا آخر.
وفي صباحٍ من الأيام، كانت لميس تحضر الفطور لوالدتها وأختها.
كان كل شيء يبدو طبيعيًا.
كانت الأم في مكانها، وسحر قريبة منها، ولميس منشغلة بإعداد الطعام.
وفجأة...
انفجر الطباخ.
اشتعلت النار، وتصاعد الدخان في أرجاء البيت.
صرخت سحر، وحاولت الوصول إلى أختها، وحاولت الأم إنقاذ ابنتها، لكن النار كانت أسرع من الجميع.
وصل حميد بعد أن سمع الصراخ، وسارع إلى إنقاذ سحر وأمها، وساعد في إخراجهما من البيت، بينما كان الدخان يملأ المكان.
لم يستطع أن ينقذ التي أحبها.
كان كل شيء قد حدث بسرعةٍ تفوق قدرة الجميع على الاستيعاب.
ونفذ أمر الله.
وبعد ذلك، جاءت الشرطة والإسعاف، لكن بعد فوات الأوان.
خمدت النار أخيرًا.
لكن البيت لم يعد كما كان.
كان الدخان قد انتشر في أنحائه، وغطى الرماد كل شيء.
نجت سحر وأمها بأعجوبة، لكن لميس لم تنجُ.
لم يبقَ منها سوى ما تركته خلفها من ذكريات وأشياء.
وفي زاوية المكان، كان الزي البغدادي الذي حلمت لميس أن ترتديه أمام الناس، قد أصبح لباسًا بلا جسد.
وكان حلقها الكبير الذي أحبته طويلًا، قطعةً بلا أذن.
وقفت سحر أمامهما.
لم تعرف ماذا تقول.
كانت تنظر إلى الزي وكأنها تنتظر أن تظهر لميس من خلفه.
كانت تتذكر ضفيرتها الصفراء، وضحكتها، وحبها للزينة، وحلمها الذي كان قريبًا منها أكثر من أي وقت مضى.
لكن الحلم انتهى قبل أن يبدأ.
مرت الأيام.
ثم الشهور.
ثم السنوات.
وظل البيت مهجورًا.
لم يجرؤ كثيرون على الاقتراب منه، وبقي اسمه يتردد بين الناس:
دُخَانُ الرَّمَادِ.
أما سحر، فكلما عادت إليه، وجدت لميس في كل زاوية.
في الخزانة.
في النافذة.
في المطبخ.
في الزي البغدادي.
وفي ذلك الحلق الكبير.
وكانت تعرف أن النار لم تأخذ البيت وحده.
لقد أخذت معه صوتًا كان يملأه بالحياة.
وفي تلك اللحظة، فهمت سحر أن بعض الأشياء قد تحترق، لكنها لا تموت.
فالذكريات لا تحترق.
والحب لا يتحول إلى رماد.
والأخت التي غابت عن البيت بقيت حاضرةً في قلب من أحبها.
رفعت سحر عينيها نحو الباب القديم.
كان الباب الذي ظل سنواتٍ مغلقًا أمام الجميع.
اقتربت منه، ومدت يدها إلى مقبضه.
ثم فتحته.
دخل ضوء النهار إلى المكان المظلم.
وللحظة، شعرت سحر أن رائحة لميس ما زالت عالقةً في أرجاء البيت، وأن ضحكتها لم تختفِ تمامًا.
فقد يبقى البيت بعد أهله...
وقد يبقى الرماد بعد النار...
لكن ما يبقى في القلب لا تستطيع النار أن تأكله.
وهكذا، لم يكن دُخَانُ الرَّمَادِ مجرد اسمٍ أطلقه الناس على بيتٍ احترق.
كان اسمًا لحكايةٍ بقيت معلقةً بين الحنين والفقد، بين حلمٍ لم يكتمل، وأختٍ لم تستطع سحر أن تنساها.
وكان رحيق الحنين...
هو كل ما بقي من لميس.
معلومات كاتب القصة : 

إعداد المعلم الجامعي سوسن لطيف ثانوية الخضراء للمتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
انضم الآن
تيليجرام
انضم الآن
فيسبوك
متابعة
يوتيوب
اشتراك
انستجرام
متابعة
تيك توك
متابعة
ماسنجر
انضم
فايبر
انضم
بينتيريست
متابعة
منصة X
متابعة
ثريدز
متابعة
تطبيقنا
تحميل
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.
تعليقات