📁 مشاركات منوعه

قصة منحوتة الريش الزجاجية على الجليد اعداد المعلم الجامعي سوسن لطيف

في تلك الليلة، سقطت ريشةٌ من السماء.
لم يرها أحد وهي تهبط، ولم يسمع أحد صوت ارتطامها بالأرض، لكنها تركت وراءها دائرةً صغيرةً في الجليد، كأن شيئًا ثقيلاً مرَّ من خلالها.
كانت الريشة بيضاء، طويلة، دقيقة، يلمع طرفها تحت ضوء القمر.
وبعد دقائق، اختفت تحت طبقةٍ رقيقة من الثلج.

منحوتة الريش الزجاجية على الجليد


لم تكن نجود تعرف لماذا خرجت من منزلها في تلك الساعة.
كانت تشعر بضيقٍ غريب، ضيقٍ لا يشبه الحزن تمامًا، ولا يشبه الخوف. شيءٌ ثقيل يستقر في صدرها كلما حاولت النوم، حتى أصبحت الجدران من حولها تبدو أضيق من أن تتنفس داخلها.
ارتدت معطفها وخرجت.
كان الليل ساكنًا بصورةٍ غير مألوفة.
لا أصوات سيارات، ولا نباح كلاب، ولا حتى حفيف أشجار.
فقط خطواتها فوق الثلج.
كانت نجود ذات شعرٍ أشقر اختلط به الشيب الأبيض، ووجهٍ أرهقته السنوات، لكنها لم تكن تشعر أن عمرها هو الذي أثقلها.
كان هناك شيء آخر.
شيء لا تستطيع تذكره.
حين وصلت إلى أطراف الغابة، سمعت رنينًا خافتًا.
توقفت.
رنَّ الصوت مرةً أخرى.
كان يشبه اصطدام قطعة زجاج بأخرى.
نظرت حولها.
لا أحد.
ثم لمحت على الثلج شيئًا أبيض.
ريشة.
اقتربت منها، لكنها لم تلمسها.
كانت الريشة تقود إلى ريشة أخرى، ثم ثالثة، حتى بدا لها أن أحدًا ترك خلفه طريقًا من الريش الأبيض.
تبعت الأثر.
لم تعرف لماذا.
كان في داخلها شعور غريب بأن عليها أن تصل إلى نهايته، وكأن الطريق لم يظهر أمامها إلا لأنها كانت تنتظره منذ زمن.
وبعد دقائق، وصلت إلى مساحة واسعة من الجليد.
هناك توقف أثر الريش.
لكن الرنين عاد.
هذه المرة كان أقرب.
خفضت نجود عينيها.
كانت هناك قارورة زجاجية نصف مدفونة في الجليد.
انحنت وأزاحت الثلج عنها.
كانت القارورة صغيرة، شفافة، محكمة الإغلاق.
وفي داخلها ريشة بيضاء.
حدقت نجود فيها طويلًا.
لم تكن الريشة تتحرك، ومع ذلك شعرت بأنها تنظر إليها.
مدت يدها.
وما إن لامست أصابعها الزجاج حتى شعرت بدفءٍ مفاجئ.
سحبت يدها.
القارورة باردة.
لكن الدفء الذي شعرت به كان حقيقيًا.
ثم حدث شيء لم تستطع تفسيره.
تحركت الريشة داخل القارورة.
ببطء شديد.
استدارت، ثم ارتفع طرفها حتى أصبح يشير إلى نجود.
تراجعت.
وفي اللحظة نفسها ظهر على الزجاج بخار خفيف.
تجمعت قطرات الماء، ثم أخذت تتشكل أمام عينيها في كلمات:
نجود.
تجمدت في مكانها.
لمست الزجاج مرة أخرى.
اختفت الكلمة.
ثم ظهرت كلمة أخرى:
تذكري.
أغمضت نجود عينيها.
وفجأةً شعرت بألمٍ حاد في رأسها.
رأت شيئًا.
امرأةً صغيرة السن تقف على الجليد.
كانت تحمل القارورة نفسها.
وبجانبها طفلة صغيرة ترتدي معطفًا أبيض.
ثم سمعت صوتًا:
«لا تتركيها هنا.»
فتحت نجود عينيها بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
لكنها كانت متأكدة من شيء واحد.
لقد رأت المكان من قبل.
حملت القارورة معها.
وعندما عادت إلى المنزل، وضعتها فوق الطاولة.
لم تنم تلك الليلة.
كلما أغمضت عينيها، عادت إليها الصورة نفسها.
الطفلة.
المرأة.
الجليد.
والقارورة.
وفي الفجر، وجدت ورقةً قديمة داخل أحد أدراجها.
لم تتذكر أنها وضعتها هناك.
كانت الورقة صفراء، وحوافها مهترئة.
وعلى ظهرها جملة واحدة:
«إذا عادت الريشة، فقد حان وقت الحقيقة.»
قلبت نجود الورقة.
في وجهها الآخر صورة قديمة.
امرأتان تقفان أمام بحيرة متجمدة.
إحداهما كانت نجود.
لكنها في الصورة كانت أصغر بكثير.
وبجانبها امرأة لم تعرفها في البداية.
ثم شهقت.
كانت أمها.
أما الطفلة الواقفة بينهما...
فكانت نجود نفسها.
تذكرت.
لم تتذكر كل شيء، لكن أجزاءً من الماضي بدأت تعود.
قبل سنوات طويلة، كانت أمها تأخذها إلى تلك الغابة في الشتاء.
كانت هناك امرأة أخرى تأتي إليهما.
امرأة تُدعى ليال.
كانت ليال تصنع منحوتات صغيرة من الجليد والزجاج، وتقول لنجود وهي طفلة:
«كل شيء نحاول نسيانه يعود يومًا.»
وفي أحد الأيام، حدث خلاف بين ليال وأم نجود.
لم تعرف نجود سببه.
ثم اختفت ليال.
قالوا إنها رحلت.
لكن أمها لم تكن تصدق ذلك.
وفي آخر مرة جاءت فيها نجود إلى المكان، كانت تحمل تلك القارورة.
كانت ليال قد أعطتها إياها.
قالت لها:
«احتفظي بها حتى تكبري.»
لكن نجود لم تفهم.
وفي اليوم التالي اختفت القارورة.
أو هكذا ظنت.
عادت نجود إلى الجليد مع أول ضوء للصباح.
كانت القارورة في يدها.
هذه المرة لم تشعر بالخوف.
تقدمت إلى المكان الذي وجدتها فيه.
ثم لاحظت شيئًا لم تره في المرة الأولى.
تحت الجليد، كان هناك جسم مستطيل.
بدأت تحفر بيديها.
حتى ظهرت قطعة معدنية صغيرة.
سحبتها.
كان مفتاحًا.
نظرت إليه طويلًا.
ثم تذكرت صندوقًا خشبيًا قديمًا في منزل أمها.
صندوق لم تسمح لها أمها بفتحه يومًا.
عادت نجود إلى المنزل وفتحت الصندوق.
كان المفتاح مناسبًا.
في داخله كانت هناك رسائل كثيرة، وصور، وريشة أخرى.
لكن المفاجأة كانت في الرسالة الأخيرة.
كانت بخط أمها.
قرأت:
«يا نجود...
إن كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنك وجدتِ القارورة.
كنت أخشى أن أقول لك الحقيقة وأنت صغيرة.
ليال لم تختفِ كما أخبرتك.
في تلك الليلة، حدث انهيار في الجليد، وسقطت في البحيرة المتجمدة.
بحثنا عنها طويلًا، لكننا لم نجدها.
قبل الحادث بأيام، كانت ليال تصنع تلك القارورة، وقالت إنها تريد أن تترك فيها شيئًا لا يستطيع الزمن أن يسرقه.
وضعت فيها ريشة.
وقالت لي إن الريشة ستعود يومًا إلى المكان الذي بدأت فيه الحكاية.
لم أفهم كلامها.
لكنني فهمته بعد رحيلها.
كانت تقصدك أنتِ.
لأنك كنتِ آخر من تحدثت إليه.»
توقفت نجود عن القراءة.
كانت الدموع قد ملأت عينيها.
تذكرت الآن.
تذكرت الطفلة الصغيرة.
وتذكرت ليال وهي تنحني أمامها وتضع القارورة في يدها.
وتذكرت سؤالها:
«هل سأراكِ مرة أخرى؟»
وكان جواب ليال:
«حين تكبرين، ستعرفين أين تجدينني.»
في المساء، عادت نجود إلى البحيرة.
وضعت القارورة على الجليد.
لم يكن هناك رنين هذه المرة.
ولا أصوات.
ولا أشباح.
فقط الريح.
نظرت إلى الريشة داخل القارورة، ثم ابتسمت للمرة الأولى منذ زمن طويل.
فهمت أخيرًا أن القارورة لم تكن تحمل سرًا مخيفًا.
كانت تحمل ذكرى.
ذكرى امرأةٍ رحلت، وطفلةٍ كبرت، وأمٍّ قضت سنوات وهي تحاول حماية ابنتها من وجع الماضي.
فتحت نجود القارورة.
أخرجت الريشة.
وضعتها فوق الجليد.
هبَّت الريح.
ارتفعت الريشة في الهواء، ودارت مرةً واحدة فوق البحيرة، ثم استقرت على سطح الجليد.
وفي اللحظة التي لامسته فيها، بدأت طبقة الثلج بالذوبان حولها ببطء.
لم يظهر جسد.
ولم تظهر شبح.
ظهر فقط انعكاس امرأة على سطح الماء.
امرأة شابة، بشعرٍ طويل، تبتسم.
عرفتها نجود.
كانت ليال.
مدت نجود يدها نحو الماء.
لكن الصورة اختفت.
وبقيت الريشة.
حملتها نجود بين أصابعها.
ولأول مرة منذ سنوات، لم تشعر بالضيق.
رفعت رأسها نحو السماء.
كان الثلج يتساقط من جديد.
هذه المرة لم يكن أبيض تمامًا.
كانت حباته تلمع تحت ضوء القمر، كأن آلاف القطع الصغيرة من الزجاج تسقط بهدوء.
وضعت نجود الريشة داخل القارورة من جديد، وأغلقتها.
ثم كتبت على قطعة صغيرة من الورق:
«بعض الذكريات لا تعود لتخيفنا... بل لتخبرنا أن الوقت قد حان لنتركها ترحل.»
وضعت الورقة داخل القارورة.
وتركتها فوق الجليد.
وعندما ابتعدت، لم تنظر خلفها.
لكنها لم تعرف أن القارورة، بعد دقائق، اختفت من فوق الجليد.
ولم يبقَ في مكانها سوى منحوتة صغيرة لريشةٍ زجاجية...
تحتها اسم واحد:
نجود.
معلومات كاتب القصة : 

ظل الخوف ونور الضمير تجسّد الصراع الداخلي والخارجي لأربعة مراهقين . إعداد المعلم الجامعي سوسن لطيف ثانوية الخضراء للمتميزين للبنين
👇 انتهى الموضوع رسالة اخيرة بالأسفل 👇
لمن يرغب بالمساهمة في دعم الموقع وتطوير المحتوى التعليمي والاستمرار في تقديم المحتوى ، يمكنكم دعم الأستاذ أحمد مهدي عبر:
💳 ماستر كارد – سوبر كي الاسم: AHMED M. SHALLAL
رقم البطاقة: 1487752469
💚 Zain Cash – زين كاش
الرقم: 07824362700
كل دعم، مهما كان بسيطًا، يساهم في تطوير الموقع وتجهيزاتها وتقديم المزيد من المحتوى التعليمي للطلاب.
شكرًا لكل من يدعم الموقع ويتابع الدروس ويساهم في استمرار رسالتها التعليمية. 🌷
لا تفوت جديد التحديثات والشروحات!
انضم الآن إلى عائلتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي لتكون أول من يتوصل بكل جديد وحصري.
واتساب
انضم الآن
تيليجرام
انضم الآن
فيسبوك
متابعة
يوتيوب
اشتراك
انستجرام
متابعة
تيك توك
متابعة
ماسنجر
انضم
فايبر
انضم
بينتيريست
متابعة
منصة X
متابعة
ثريدز
متابعة
تطبيقنا
تحميل
نشكركم على دعمكم المستمر، وفي حال واجهتكم أي مشكلة لا تترددوا في مراسلتنا.
تعليقات